من لاذ بالصمت هجرته الحكمة !

 

ها نحْن نعـدّ وننسّق ساعاتنا ولحظاتنا باقات من الخيبة والفشل، ونحزمهما بشدّة في رهان لطالما خدعنا فيــه أنفسنا، وبهيّبة نحشر هذه الباقات وأشياء أخرى لا تستحق الذكرى في صرّة مليئة بالادعاءات والدعـــوات ونربطها على ظهر عام مشؤوم أبتلع أمواتنــــا وشهداءنا ونخيلنا وأعطانا قفاه ومضى، مخلفاً شبح صهيله كابوساً يفترس مضجع أحلامنا وأيامنا القادمة، كتلك الأعـوام التي نفخــوا فيـها بطوننا عنوة، تخض في دواخلنا اليوم كأجنّة لقيطة ـ علينا أن نجهضها. من جديد وبلا كلل، يتأبطنا الزمن راكضاً بنا صوب عام أخر، مثل فراخ يمامة تحنط في حناجرها تأريـــخ بلا أفق، نلطم ونندْب على طريقة وعادات الأهل، راسخين مع حكاياتنا وأجنحتنا وإعشائنا التي يغطيها الثلج تارة والصحراء تارة أخرى، في انتظار الِغَيــاث المنشود الذي بدل جَزّ رقابنا، يمسدها بعطف ويستر حرمتنا. ربع قرن مضى ولا نزال هارعين فاتحــــــين الصدور باتجاه حدود الدنيا، نبحث عن أجنحة سماوية، ترابية أو حتى مــن البلاستيك، لكي تحمينا مـن لفحه باردة في حياة فقدت هي الأخرى تأشيرة الرجوع والعودة إلى تأريخها الذهبي، تنوح اليوم، تشارك بحـّـة صدى صراخنا المشنوق في سماوات مجهولة: ـ أنقذونا ـ نريد أن نحلق بأمان !.. وداعاً يا عام مضى، لم يـرأف بهــذه الغضون الصلبة المتلوّثة بكُدوم زمن الأستقحاب. وداعاً أبــدي يا عاما بلا رحمة، لم يرشدنا إلى لغة تجهـل مفرداتها طقوس الألم. لك منّا نهارتنا المضمدة بالعويـل وصباحاتنا التي لا تصلح حتى للبول. لك منّا ليالينـــا الهائمة فوق قارب الشر البشري المسكون بقلق مستفحل بالروح. إلى اللعنة يا هذا العـام، فصدام ـ والحصار اغتصبوا بكارة الوطن، وها قلوبنا تتقيح بعام جديد... وداعاً ـ لقد ابتعدنا كثيراً ـ أين الطريق ؟.. كيف حالك، يا رفيق المنفى الصامت، يا "أبو فلان «، يا حكيم يا مجرب، يا شاهد لم يُقتَل، أيها الحيّ، يا عاشق المناُزَعات، يا رفيقا لم يخلقه حدث ما، ولم يخلق حدث. يا صابر، يا من يتربص محتمياً بالحداد، يا متخارس يا أصم، يا متفرج علي هيجان عاصفة الدم. ماذا فقدنا نحن ؟ فأمواتنا فقدهم العراق. منفانا طال أمده ، ومن الممكن الانطفاء فيه . من يعيد لنا ما أضعنا ؟ من سيقود الخطوات ؟ يا رفيقاً أشدّ من حصان يكرب في حقل، يا رفيقاً مستحماً في طقوس الذكريات، حالماً في مجيء العراق يوماً مستنشداً يطرق دارك، من يشعـل لك البخور بعد الآن ؟ من يسهر بانتظارك ؟ وجوه الأحبة زُفة مغطاة بصناديق الخشب، متعفنة بالتراب. لقد سلّب الوطن، وأصبحت أحشاء النـاس ملاذا للكلاب والقطط السائبة. تبا لقوم لا يفهمون، تبــا لشبعان يعطي ظهره لجوعان، تبـا لمنفي يقرض كالجرذ أخيه المنفي، تبا لكسول أصبح لسانه أطول من قامته في مزاد المبادئ. فالرابح من النظام والحصار في داخل الوطن شبيها للذي يربح النظام منه فـي المنفى؛ وجهان لعملة واحدة... ليلبسكم الحذر ـ يا حلم حفاة الوطن وكابوس نظام العار ـ يا نَرْد المعارضة !

الجحوش توسطونا، ببطء يلوكنا، وبانتظام وبأقل خسارة ممكنة يمتصونا. حججهم الوطنية كثيـرة وأقنعتهم متنوعة، ونحن دون دراية نضلّ الإصابة، نخطأ الهدف.

 

صلاح الحمداني 1ـ1ـ1995 فرنسا.

تنويــه:

نشر هذا المقال قبل سقوط الطاغية صدام

وقبل أن يمسخ حزب البعث العربي الفاشي ويتحول إلى "داعش"

صلاح الحمداني ـ من دفتر عراقي في المنفى 

Le destin ressemble à ces nuits entières

oubliées dans l’encrier... Salah Al Hamdani

ــ موقع الشاعر صلاح الحمداني ــ