المثقفون يحاكمون صدام حسين

 

لكل بدن حفرة، ولصدام كل القبور !

صلاح الحمداني

 

[على المبدع أن لا يدون لنا التاريخ فقط، بل عليه أن يكتب عن ما فعله هذا التاريخ بنا]

         

   أن مجتمعاً بلا مفكرين ومبدعين، بلا أدباء وفنانين أقل ما يطلق عليه من تسمية، هو مجتمع بلا أعراف إنسانية، متخلف، أو مجتمع بلا هوية. وهذا ما يريده نظام الدكتاتور صدام التكريتي لمجتمعنا وما يريده كذلك كل من يؤازر هذا الدكتاتور سراً كان أو علنا.

     وعلى الرغم من قيمة سؤالكم، وما يحمله من عمق ومأساة، وما يستحقه من إجابة عاجلة لكي يعرف الجميع ما حدث فعلاً لهذه الفئة المثقفة المبدعة العراقية وما أصابها من حصص في التشرد والاغتيالات جراء سياسة هذا النظام. إلا أن اختيار الزمن لكذا سؤال ناهيك عن الإجابة عليه غير ملائم الآن، كون الشعب العراقي لازال يعيش الاستنزاف. وأن إعطاء الفرصة لقسم قليل من الناس [ذو أهمية حتى في الهلاك] لكي تجدول تواريخ مصائبها وتتميز بقبورها، سيجعلنا بدون دراية متفننين وممسرحين في الاختيار بين الأموات والمآسي. فطالما أن طوفان الدم والموت عم الجميع فما هو الداعي في تشجيع فئة ما بتمييز نفسها وفرش جراحها وإحصاء خسارتها وخيباتها وهي تواجه الدكتاتورية. إلا يخيفنا تحول حدث هذه المقاضاة لهذه النظام إلى نوع من الخصوصية الجافة والمبالغة المتبطرة مقارنة بملايين الناس البسطاء المضطهدين. هذا على الرغم من أهمية هذه الفئة المثقفة وأهمية ما قدمته على مدى هذه السنين من إبداع فكري وتضحيات.

       

     لا يتمكن العراقي الواعي في لجم تفكيره وبصره عما اقترفته هذه الدكتاتورية من ويلات وخراب يكاد أن يكون شاملاً على جميع شرائح شعبنا العراقي. هذا يعني أن علينا جميعاً أن نتحزم برؤية شمولية لمصيبتنا ومصيبة شعبنا وليس التفريط بهذه المصيبة وقراءتها على شكل فئات وجماعات وقوميات وعشائر وأديان ونخب الخ.

     وإذا كان من وراء فكرة تقديم كائن نصف كيانه مقابر ونصفه الآخر بلاء مثل صدام لمحاكمة دولية بكونه مجرم بحق الشعب العراقي ومجرم بحق الإنسانية، وبطريقة حضارية [كما يليق للبعض تسميتها] محاكمة "عادلة" لكي يستمع ويشاهد الجميع الأسباب والأدلة التي دعت هذا الشعب بكل فئاته بتوجيه التهمة لهذا الطاغية، فقط لإدانته دولياً على أساس أنه طاغية فحسب ! ولكن ماذا سيجني إدانته اولئك الذين أضاعوا حياتهم؟

وهل سيبتسم يا ترى أطفالنا في قبورهم حينها؟ وهل ستشبع بطون شعبنا المشرد وأفواههم المليئة بالتراب؟ إذا كان هذا حقاً ما يتوخاه المثقفون والسياسيون، فتباً إذن لشبابنا الذي أضعناه من أجل الحرية والعدالة، وتباً لأعمارنا وشيخوختنا وأجيالنا التي أحرقها هذا الأخطل.

            أتصور جيداً ما سيحدث:

            ستبث المحاكمة عن طريق الكابلات والستيليتات ليشاهد الجميع صورة الذي كان سبب جوعها وعريها، وستكتظ الدروب والساحات بالصياح والقيل والقال والصخب والفوضى والدشاديش والعكل وتصاحبها الهتافات التي تطالب بإعدامه بلا محاكمة. والزغاريد، وبكاء النساء الأرامل والمعوقين والقصائد الشعبية والهوسات ولم لا، ربما، المشوي والشربت والملبس والشاي والشعارات الرنانة والعطل الرسمية. الغثيان والشوارع التي ستملئ بالناس الذين أضاعوا كل شيء، القيظ القيظ والفراغ القاتل أمام شاشات التلفزيون !

          أولاً أشك بوجود "عدالة دولية"،

          وثانياً بعهرها إن وجدت.

        ثالثاً أن هذا الطلب موجه بالذات إلى الدوائر الأوربية والأمريكية و"عدالتها الدولية" التي كانت ومازالت المغذي الحقيقي لديمومة صدام ونظامه.

        رابعاً كون هذا الفعل النضالي سيظّل "أضعف الأيمان"، وأقل من هذا بكثير، مقارنة بما فعله هذا النظام من جرائم بحق 22 مليون إنسان وبحق وطن حضاري مميز.

        خامساً لا أعتقد أن احتياجات هذه الـ 22 مليون من البشر التي لا حول لها ولا قوة تتم في تنظيم تظاهرات لإدانة جزارها، ولكنها بحاجة ماسة إلى أفكار مدروسة لتنشيط وتسريع عملية اقتلاع هذا النظام من جذور العراق وبطريقة عنيفة، ليس بالمساحي والمكاوير والعكل والقصائد والديمقراطية وعدالة القانون فقط وإنما كذلك بتركتورات ثقيلة مسننة بالفولاذ لتقلب الأرض رأساً على عقب فوق رأس كل من له صلة بهذه الفاشية التي حرمت هذه الـ 22 مليون بشر من سعادتها بالحياة الكريمة والعدالة الإنسانية، وبالتالي استئصال كل ما زرعته هذه الفاشية العفلقية من أمراض خبيثة في رحم عراقنا المجيد.

       

      وأخيراً أن الدكتاتور صدام حسين التكريتي ليس المسؤول الوحيد عن خراب العراق كما يحاول إقناعناً بذلك بعض البعثيين العراقيين القدامى ممن شفطت الدكتاتورية مصالحهم الشخصية ورمتهم على الحدود، بل كذلك المؤسسات البعثية العفلقية التي جاءت به للسلطة. ولهذا يصبح من اللامعقول عزله وتجريده عن أصحابه من القراصنة والحرامية والفاشيين، تماماً مثل ما يصعب علينا عزل فئة المثقفين عن باقي الشرائح الآخرى حينما نتحدث عن مأساة شعبنا العراقي والمرافعة المطلوبة دولياً لإدانة هذا الطاغية.

       لا يخفي على أحد كيف أن هذه الدكتاتورية عملت ومازالت تعمل بطريقة مدروسة لتحجيم المشروع الفكري الوطني للمبدع العراقي، وخصوصاً في الأوساط الثقافية العربية ناهيك عن الداخل في استخدام الرشاوى وشراء الذمم، وهي الآن تعمل المستحيل في أوربا لتحسين صورتها الدموية مستخدمة لغرضها هذا شخصيات عربية وعراقية وأوربية بلا ظمائر في تشكيل الجمعيات الشكلية أو منظمات تعمل من أجل رفع الحصار من دون المساس بوجود صدام ونظامه. أن ما يحتاجه شعبنا ليس فقط المطالبة بمحاكمة صدام بل كذلك العمل الدؤوب والحريص من قبل جميع أبناءه وليس فقط المثقفين والمبدعين في الخارج على العمل يد بيد مع المنظمات العراقية المناهضة للدكتاتوري المتواجدة أصلاً، أو تشكيل الجمعيات والروابط لشن الحملات القانونية في فضح أعوان النظام الصدامي وتعريتهم أمام سلطات هذه البلدان على كونهم فاشيين واستخبارات تعمل لصالح النظام العراقي [وهم كثيرون اليوم في أوساطنا] وعمل نشاطات للتضامن الحقيقي مع شعبنا المقهور من أجل رفع الحصار وإدانة وفضح وتعرية المنظمات الصدامية التي ترتدي زي الإنسانية باطلاً، مثل المنظمات التي تتسم شكلياً بصيغ الصداقة بين الشعوب، أو التضامن مع أطفال العراق، بالأضافة إلى جمعيات المغتربين العراقيين الأستخباراتية التي من أوائل جهود نشاطها التجسس لمعرفة العراقيين المحبطين سياسياً أو من استفحلت بهم جروح الحنين للوطن، لتنقض عليهم وبطرقها المعهودة كدفع بطاقة السفر للعراق مجاناً، وعمل له مقابلة بصحافة النظام لكي تغريه بأنه أصبح فناناً مهماً الخ، وهكذا، تتمكن من تحيده أمام نشاطاتها المعادية للشعب العراقي وتبعده بنفس الوقت عن الاختلاط بالعراقيين المعارضين، الذين لم يفلح كلاب النظام من الاحتيال والالتواء عليهم.

       

     لربما يتصور قارئ هذه السطور أني أحرض على فكرة الثأر من هذا النظام، سأريح باله لم يخطأ بتاتاً، باستثناء البعثيين الذين تمردوا أو الذين سيتمردون على صدام ونظامه. ولن أتحدث هنا كوني شاعراً وفناناً مسرحياً، بل كوني مثل أي مواطن عراقي آخر سجن وطورد وشرد وذاق مرارة الغربة، خربت أحلامه وضاعت طفولته وأحرق تأريخ وطنه. نعم أطالب كمغتصب جسدياً وفكرياً وحضارياً بأن يجرد هذا النظام من كل شيء، وأن يسمر صدام بقبره، لكي تشهد البشرية أن الشعب العراقي لم يرقد له جفن طوال سنين عجاف سلطة هذا الطاغية وزمرته، وأن عودة هذا الوطن هي لتصفية الحسابات مع الذي أغتصب أمهم وورم بطنها بالرذيلة والعار والمكايدة.

                                                     

 صلاح الحمداني

نشر في طريق الشعب

كانون الثاني 1998

 

تنويــه:

نشر هذا المقال قبل سقوط الطاغية صدام

وقبل أن يمسخ حزب البعث العربي الفاشي ويتحول إلى "داعش"

صلاح الحمداني ـ من دفتر عراقي في المنفى 

Le destin ressemble à ces nuits entières

oubliées dans l’encrier... Salah Al Hamdani

ــ موقع الشاعر صلاح الحمداني ــ