تنويه :

هذه المقابلة نشرت قبل سقوط الدكتاتورية في العراق !

صلاح الحمداني : أعتليت خشبة الشارع صبيا

 

 

مقابلة أجراها الروائي العراقي برهان شاوي

في جريدة الاتحاد الإمارتية عام 1997

 

الروائي برهان شاوي

برهان شاوي:

         لقد غادرت العراق منذ العام 1975 إلى باريس، وأصدرت لحد الآن سبع مجموعات شعرية بالعربية وسبع مجموعات بالفرنسية، كما ترجمت كتابين شعريين إلى الفرنسية، هل لنا نتعرف على تجربتك الشعرية؟ مكونات هذه التجربة وروافدها المعرفية؟

 

صلاح الحمداني:

         المحلات الشعبية في بغداد ودروبها، رغم ما تحمله معالم حياتها الداخلية من قسوة، لم تكن إلا رموز تقليدية يتمتع بذكرها وكتابتها بين الحين والأخر بعض أصحاب الأقلام والأحاسيس الشفافة "كما يلقبون" وكذلك بعض من الرومانسيين العراقيين وغيرهم، وذلك من أجل إعطاء نكهة شعبية "محلية" كما يتصورون على شكل إبداعهم، ولكن ليس على مضمونه. فيما يخصني، فأنا ولدت وترعرعت فعلاً في صميم وعوالم هذه المنازل البغدادية وأزقتها الضيقة. رقدت في عتمتها وأنا رضيع وعملت فيها الصنعات العديدة وعمري لم يتجاوز حينها السبع سنوات. كبرت وسط روائحها، أسواقها، دموعها، حدادها، بؤسها، وأفراحها أيضاً. ولهذا فحينما أريد التحدث عن مكونات وروافد تجربتي، لا أستطيع إلا أن أبدأ حديثي من حيث الأصل من حيث طفولتي وعوالمها الذاتية، وقسوة المعيشة. فأنا لا أقول مثلاً أنا من بغداد، بل أقول أنا من قنبر علي أو أنا من الفضل، أو أقول أنا من شارع الكفاح وسوق الهرج وعباس أفندي وسوق حنون والحيدر خانة والمهدية وأبو سيفين وعكَد الأكراد الخ. ما أريد قوله هو أني لم أترعرع وسط أجواء ومكونات معرفية ثقافية مكتوبة، لا عامة ولا خاصة تمكنني من إعطاء فكرة واضحة عن ما آلت إليه حياتي وتجربتي بعد ربع قرن من التجوال في عالم الأدب والفن والغربة ((أستطيع اليوم أن أقول أي شيء أخر، تحليلي ربما، ولكنه لا يعكس حقيقة ماعشته فعلاً)) فأنا لا أملك أية شهادة دراسية عراقية كانت أو عربية تستحق الذكر. لم تطأ أقدامي عتبات الجامعات العراقية ومعاهدها أو أي شيء له علاقة بالدراسات الأكاديمية. لم أكن من عائلية ثرية ذي مركز اجتماعي. لم يكن عندي أصدقاء شعراء معروفين ولم أكن من رواد النوادي الثقافية والأتحادات الأدبية والنوادي "الأستجمامية"، لم أُدعى يوماً لصعود منصات الأدباء والشعراء، لا أعرف أحد منهم ولا أحد يعرفني. لقد كونت حياتي وشخصيتي الثقافية والمعرفية وكتبت الشعر وحيداً ومعزولاً في نفس الوقت. أكيد كان ليّ ثلاث أو خمس أصدقاء عوز من أولاد محلتي في بغداد، كنت أريهم ما أكتب وأرى ما يكتبون من شعر، لكن أين هم الآن؟ هناك حقيقة، كنتُ أقرأ كثيراً وكنتُ فضولياً أحاول أن أعرف ما يجري حولي من أمور، ومازلت أطلب المعرفة والتعلم. والحقيقة الأخرى هي أن تلك الأرصفة والمحلات، دكاكينها وقططها وفطائسها، أوساخها وبهجتها، جوعها وعراكها، لياليها وتسكعاتها، مدرستها المسائية ومعتقلاتها تعتبر من المكونات الحقيقية لتجربتي الشعرية وروافد لمعرفتي وكانت أيضاً نبضاً لقلبي هذا المعذب دوماً. يخيل ليّ أني كنتُ أسير باتجاه الشعر، أو لعله هو الذي كان يناديني وأنا أراقب نبضات نور الحياة خافقاً من خلف قضبان المعتقلات والسجون. وليس غريباً أني كنت من أولئك العراقيين الحالمين دائماً بالحرية، المجهولين، أصحاب الشعر الطويل والأقمصة والبنطلونات الغير مكوية، أولئك الذين كانوا يلتهمون الكتب ليلاً ونهاراً ، أولئك اللذين كان يطلق عليهم شتى الأسماء من أجل الاستخفاف بحياتهم وتجربتهم. ولكن، أليس صحيحاً، أن أولئك هم أنفسهم اليوم، أو ما بقى منهم، مازالوا يحلمون بطعم تلك الحرية المستحيلة زارعين إبداعاتهم ولعناتهم حيث تحل أجسادهم وأطيافهم؟

 

برهان شاوي:

         إنني أجد ما يوازي تجربتك الشعرية أهمية، إلا وهي تجربتك المسرحية والسينمائية التي وللأسف لم تنتبه لها وسائل الأعلام والصحافة العربية، هل لك أن تحدثنا عن هذه التجربة ؟

 

صلاح الحمداني:

         اعتليت خشبة الشارع ـ المسرح (ليس تلاعب لفظي) صبياً، كنت أرتدي نعال (أبو الإصبع) والدشداشة و (العرقجين) كنت عازف "صنج" في فرقة موسيقية شعبية في محلة المهدية "شارع الكفاح" في بغداد وكانت هذه الفرقة مكونة من العاطلين والهاربين من خدمة العلم، والمدمنين على الخمر و "العربنجية"، وبعض "الشقاوات"، وكان يترأس هذه الفرقة أحد الأكراد من أصل تركي أسمه (علي خرابة). في عام 1975 قدمت إلى فرنسا لأسباب لا تتعلق بتاتاً لا بالمسرح ولا بالسينما، ولم يكن ليّ معرفة معينة لا من بعيد ولا من قريب بأحد الناس في باريس ولا باللغة الفرنسية ولا بخصوصية هذا المجتمع وثقافتهه وتأريخه، أللهم بعض النتفات من هذا الكاتب أو ذاك الكتاب لا أكثر. بعد فترة وجيزة من وجودي في فرنسا تمكنت وبمساعدة بعض العرب والفرنسيين من التسجيل في جامعة باريس 8 القسم المسائي (ومما ساعد على قبولي كطالب في تلك الجامعة حينها، هو عدم طلبها مني شهادة البكلوريا أو ما يعادلها) وبدأت فعلاً في دراسة اللغة الفرنسية والمسرح والفلسفة ليلاً، والعمل كحمال في المغازات الكبيرة فجراً. في هذه الجامعة تعرفت على فنانين عرب وأجانب من مختلف الأجناس والقوميات، مما ساعدني كثيراً في التعرف على فنون التمثيل والأعداد وإدارة الممثل والإخراج الخ. رغم معرفتي الركيكة باللغة الفرنسية حينها، لم أنقطع وبمساعدة بعض من المثقفين العرب والفرنسيين عن متابعة ما يعرض من مسرحيات وما يصدر من الكتب المتخصصة بالمسرح والنقد وعن كل ماله مساس بالأدب بشكل عام، وقراءة المسرح من موليير وشكسبير وصولاً إلى أكثرهم حداثة اليوم، بيتر بروك، مروراً بانطونيو أرتو وأرابال وبكيت وديستانس لافسكي وبرشت الخ. وكنت أشارك في كل ما يتعلق بالتمارين المسرحية والو رشات التدريبية المتخصصة بالصوت والجسد والإنارة والديكور والحركة وفضاء الخشبة الخ. والذي ساعدني أكثر على فهم  خصائص أدوات المسرح ومدارسه، هو مساهماتي الكثيرة ومشاركتي في الدورات والفرق المتنوعة التي كانت تنشأ بين الحين والأخر. فاعتليت خشبة المسرح الجامعية في التمثيل والإخراج وأعداد نصوص للمسرح لأبن عربي والحلاج ومحمد الماغوط وبكيت وارابال وجيكوف وغيرهم، بالأضافة إلى العمل بين الحين والأخر في إدارة نشاطات وأمسيات ومهرجانات فنية شعرية ثقافية في باريس وغيرها من المدن الكبرى. نقطة التحول في حياتي المسرحية حدثت في عام 1979 حينما اختارني المخرج الأرجنتيني المعروف فيكتور غارسيا* لتمثيل دور أنكيدو في مسرحية كلكامش وقد قدمت المسرحية ضمن مهرجان الخريف وعرضت باللغة العربية الفصحى على خشبة المسرح الوطني الفرنسي "قصر الشايو"، وحازت عروض هذا العمل على تغطية كبيرة في الأعلام الفرنسي السمعي والمرئي والإعلامي المكتوب، مما ساعد على دفعي في زخم العمل المسرحي (المحترف) ومن ذلك الحين وأنا أعمل في المسرح والسينما والتلفزيون الفرنسي والعالمي، موزعاً بين التمثيل تارة والإخراج تارة أخرى، وأخر أعمالي الجيدة كانت مع فرقة الحكواتي الفلسطينية، التي اختارتني لكي أمثل مع أعضائها الدور الرئيسي في مسرحيتها "كفر شما".  

وقد تجولت هذه المسرحية في كثير من البلدان الأوربية، ومثلت في اللهجة الفلسطينية واللغة الفرنسية والإنكليزية والإيطالية. أما أخر أعمالي في التلفزيون الفرنسي، فكان مسلسل طويل عرضته شاشة القناة الأولى الفرنسية. 

 

برهان شاوي:

         أنك من جيل بدأ علاقته بالكتابة منذ بداية السبعينات حيث كانت رموز الخمسينات والستينات تحتل الواجهات الثقافية، فلم تنشر شيئاً في العراق وإنما في باريس، كيف تنظر لتجربة جيلك بعد مسيرة أكثر من قرنين من الزمان؟

 

صلاح الحمداني:

         بكل صدق وصراحة يا أخ برهان سأجيبك من دون لف ودوران، أولا: أني لا أريد السقوط بنفس أخطاء الشعراء والأدباء العراقيين والعرب، اللذين يتحدثون بمناسبة أو غير مناسبة عن الأجيال، علماً أن مفهوم الأجيال كما أعتقد هو نتاج عراقي محلي بحت. ثانياً، أن موضوع الأجيال هذا (لو أردنا المسايرة مع مفاهيم جيل الخمسينيين والستينيين وطريقة تفكيرهم) يتطلب من كاتبه الإطلاع العميق على نتاج ما يصدر ناهيك عن معرفته المنهجية والتحليلية التي بدونها لا يتمكن قطعاً من إعطاء فكرة واضحة ومتكاملة في هذا الموضوع. وليس ما نسمعه ونقرأه بهذه الصحيفة وبذلك الكتاب من أراء تفتقد الموضوعية والتحليل. ولهذا فسوف لن أعطي لنفسي الحق هنا في إصدار أحكاماً كما يفعل بعض الكتاب اللذين تصل قراراتهم حد الغثيان، بحيث ضيعوا علينا اليوم حقيقة ومصداقية مفهوم الأجيال وعلاقة هذه الأجيال فيما بينها، تأثرها وتأثيراتها بالمجتمع وثقافته وتقاليده الخ. ثالثاً: أن من غير المنطق قبول الحديث عن الأجيال كما يحدث، وكأنما الموضوع هو شراء ملابس ومقارنة حاجيات ولوجيسيلات وبرامج الكترونية وعلاقات صداقية ومرات حتى تجارية نفعية. رابعاً، من هو الذي يتمكن اليوم في إعطاء فكرة بسيطة، ولكن موضوعية وغير مبهمة عن هوية ومستقبل العراق (بمفهومه الجغرافي العربي والفكري والإنساني الشامل) قبل أن يأتي ويملأ علينا جدولة من المفاهيم المتوارثة عن الأجيال، والتي لربما، (وهذا غير أكيد أيضاً) كانت تناسب مرحلة معينة من التأريخ العراقي. بكل الأحوال إنها لا تفي بغرضها اليوم. أن مزاجية أراء بعض (النقاد المفكرين والشعراء العراقيين والعرب) المسيطرين على أجهزة النشر في الوطن العربي وعدم متابعتهم ما يجري من صراعات فكرية وسياسية واجتماعية في مكونات المجتمعات الأخرى، وأتصور أيضاً ادعائهم المعرفي المتزمت الخطأ الذي يرتدونه كلما أرادوا المنازلة لإصابة روح موضوع الأجيال وصراع الأجيال إلى أخره من الكلام الذي ليس له أية صلة بحقيقة واقع ما يعيشه الناس. كان يفترض بهؤلاء الذين يؤكدون على مفهوم الأجيال، أن يقتربوا ولو قليلاً من الواقع وحقيقة ما يجري في العراق. خامساً: لا أحد يستطيع الجزم بمعرفة أعداد الأسماك ورؤية أشكالها وأحجامها وألوانها في المياه الأسنة، كما لا أحد أيضاً يستطيع الحديث عن الأجيال في بلد مثل العراق يعيش منذ حوالي 50 عاماً صراعات سياسية وحروب وموت. توجت بدكتاتورية دموية وحصار دولي وخراب داخلي شامل منذ أكثر من ربع قرن. هذا يعني بالضرورة أن المجتمع العراقي قد جرى على كيانه تغييرات فعلية وكذلك على بناءه الثقافي الاجتماعي التحتي. وأخيراً ماذا يعني مفهوم جسد (الوطن العربي) فكرياً وإنسانياً وثقافياً وجزأً مهماً من بدنه يعيش الحصار والدكتاتورية والتمزق والعوز والحروب والعشائرية والطائفية؟ سادساً، لا أحد يتمكن من التمييز بين الحصان الأصيل والحمار وبين القبرة والغراب إلا عندما تكون الشمس مشرقة على العراق، وعندما يكون الغسق والغروب والقمر والنهارات مروج وأنهار يرتوي منها الجميع. وموضع جيلي ووجوده الحقيقي يكمن في جحيم هذا الصراع وتعقيداته.

 

برهان شاوي:

         لأدباء الستينات مكانة متميزة في مسيرة الأدب العراقي والعربي لاسيما في مجالي الشعر والقصة والرواية، وما زالوا، لكننا لو توقفنا عند الأدب العراقي لوجدنا أن البذور التي نثرها الستينيين وأنبتوها بقوة في تربة الأدب العراقي لم تتفتق عن ربيع شعري أو أدبي في السبعينات والثمانينيات حيث أن شعراء السبعينيين والثمانينيين شقوا طرقاً أخرى، إلى جانب أنهم لم يشكلوا ظاهرة أدبية أو ثقافية كالستينيين، كيف تفسر هذا الأمر؟

        

صلاح الحمداني:

         كما تقول في سؤالك، وأنا متفق معك تماماً، أن شعراء السبعينيين شقوا طرقاً مختلفة ومتنوعة عن باقي الأجيال، وهذا بنظري يعتبر شيئاً نوعياً ومهماً جداً وحيوياً لروح الشعر والأدب العراقي والعربي بشكل عام. ومن المهم التوقف الطويل عنده. ليس لأنه يعني فقط أن الأجيال القادمة من الشعراء والأدباء والفنانين سيبدعون ويتحدثون، هُم أيضاً، عن هموم متنوعة. ولكنه يعني كذلك أن شعر وإبداع الستينيين وما قبلهم سيكون ضمناً إبداعاً ونتاجاً فكرياً مهماً، كونه سيمثل خواص مرحلة ثقافية معينة من التأريخ العراقي والعربي. وليس مقبول أصلاً نكران ما كتب وأبدع في تلك المرحلة أو في المراحل التي سبقتها. ولكن ما سيبنيه السبعينيين وغيرهم في الثقافة والشعر والفكر وحتى في المفاهيم الإنسانية العامة، سيكون قادراً على عكس روح ما حدث، وقادراً أيضاً على تحليل ما سيحدث في المستقبل. وسيكون الأكثر قدرة في ترجمة هوية المجتمع حينها، لأنه سيكون الفاعل والمؤثر، والظاهرة التي ستمثل بطبيعة طرحها محنة العراق وتطوره الفكري الإنساني. بطبيعة الحال، أنا لا أتفق مع ما جاء من استنتاج في نهاية سؤالك، لأن من العجالة القول أن جيل السبعينيين والثمانينيين لم يشكلوا ظاهرة أدبية وثقافية. وقبل كل شيء فأنا متفق مع الرأي القائل: أن أية ظاهرة، مهما كانت، عليها أن تُنتَزع أكثر مما تُدعى، ومبدعو جيل الخمسينيين والستينيين وما قبلهم قد انتزعوا حقاً مكانتهم العظيمة وأثبتوا وجودهم الفكري والثقافي في كيان الثقافة العراقية ـ العربية، وأصبحوا من الرموز التي يعرفها وينظر لها أبناء جيلي (إن صح التعبير) بكل فخر واعتزاز. ولكن فيما يخص الأجيال التي تَلَتهُم، فلا أحد يستطيع اليوم إعطاء فكرة عن ماهيتهم وخصوصية تجربتهم وتحليلها بنفس سهولة الماضي، لأني أتصور أنه سيكون مثل وهم السعادة الذي يبحث عنها التعيس في حثالة الفناجين. خذ أبسط الأسباب، وهي جوهرية بنظري، نحن لا نملك نفس المعايير ونفس الأجواء القديمة الحياتية الاجتماعية والسياسية التي تمكننا من إعطاء فكرة صائبة اليوم عن تركيبات وآليات الأجيال التي نتحدث عنها ومقارنتها بغيرها. ثم ماذا نقصد بجيل السعبينيين والثمانيين، الذين في داخل العراق أم الذين في خارجه؟ المنفيين المغتربين والهاربين من بطش صدام، اللاجئين والمشردين أم المحتفلين الممجدين بعبقرية القائد المهزلة؟ الملحدين أم المؤمنين؟ الذين ساهموا طواعية بالحروب أم الذين أجبروا عليها؟ الذين سمنتهم الحروب والحصار أم الذين فقدوا أكبادهم؟ شعراء المهازل المربدية اللذين يتغنون بموت الأطفال وخراب العراق لتمجيد الطاغية، أم الذين رفضوه بشجاعة هو ومؤسساته؟ تلاحظ، أن الكتابة أو إعطاء الرأي في هذا الموضوع يتطلب كثيراً من الوضوح وقدراً كبيراً من الدقة، دون إغفال المناخ الذي لم يتوفر للآن لا في العراق ولا في خارجه لدراسة وتفحص كذا موضوع، ناهيك عن إمكانية الكاتب أو الباحث الإبداعية ونزاهته الأخلاقية وموضوعيته، لأني من المعتقدين بأن الإبداع الحقيقي لا يكتب له الديمومة دون الإمساك بناصيات أخلاقية. أن من السهولة الرد على بعض الطروحات التي تريد النيل من الإبداع المختلف، الجديد، أو النيل من جيل لا يزال في بداية الدرب، ولكن الصعوبة تكمن يا عزيزي برهان في ما لم يطرح، مثلاً: فيما يتعلق بماهية الأدب والفن اليوم وتعددية مشارب منتجيه وآليته الداخلية الخ؟ أو هل الأدب هو توارث أجيال فحسب، أم انعكاس آلي للواقع أو يملك آلية خاصة به؟ هذه الإشكاليات العامة. أو هكذا تبدو ليّ على أية حال، لها علاقة مباشرة بالإبداع. لذا لا يمكن معالجة الخاص من دون فهم ومعالجة العام. ما هو واقع الأدب اليوم؟ ومن ثم ما هو أدب المنفى أو أدب الحرب أو أدب المقاومة؟ شخصياً لا أملك جواباً لهذه الأسئلة وأن أردت الإجابة فربما سأكون متحيزاً لنوع معين من الأدب، ولكني أتصور أن عدم التمعن بتجارب السبعينيين والثمانيين عن كثب ومعرفة طرق تعايشهم الخاصة وكذلك اختلاطهم وتعايشهم مع مجتمعات ليس لها علاقة تشابه تذكر بمجتمعاتهم التي نشأوا في أحضانها، ناهيك عن الخبرة المعرفية التي حصلوا عليها وعلى الخصوص معرفتهم باللغات الأجنبية التي جعلتهم يطلعون على مصادر المعرفة الإنسانية بلا حواجز ترجمية جيدة كانت أو رديئة لنصوص وكتب وأفكار مشتتة ومقطعة من قبل الرقيب العربي والعراقي المتخلف، زد على ذلك الاحتكاك والحوار والجدل الفكري المباشر مع مفكرين معاصرين لا تخلوا نصوص "المختصين" (العراقيين والعرب بالشعر والنقد والأدب من الاقتباس منها) أن ما وجده هؤلاء الشباب ولمسوه في ساحات الفكر في أوربا والعالم من فسحة كبيرة للاحتجاج والإبداع جعلهم يكتبون ويبدعون ما أسميه بـ (الإبداع الطارىء أو الكتابة الطارئة) والتي لا يضاهيها حسبما أعرف إبداعاً أخراً، هذا لو أردنا مقارنتها بما كان متوفر ومتداول من فكر عربي وعراقي في سنوات الأربعينات والخمسينات وحتى الستينيات. لأن شباب جيل السبعينيات قد ولدوا من الخراب، تفتحت بصيرتهم على الحروب والكوارث والموت والأسلحة الكيماوية، ولم يعطى لهم الوقت الكافي وللآن بتنفس الصعداء، ولم يعطى لهم أي اختيار، بل على العكس زج بهم في جحيم الدمار والحصار المأسوي والحداد والمنافي والتشرد. ولم يشاورهم أحداً عن أي مشروع مصيري مثلما حدث لغيرهم من أجيال. ولهذا نجدهم، وهذا صحيح، مبعثرين، يجهل بعضهم بعضاً ولكن ليس على حساب إبداعهم أبداً. أن تجربة السبعينيين والثمانينيين وما سيتبعهم ستكون تجربة ذات أبعاد إنسانية شاملة قبل أن تكون تجربة عراقية أو عربية. فضلاً على ذلك فأن تجربة نوعية كهذه، وهذا ما أتصوره، ستكون الممهد لإيجاد الصيغ البديلة لما شوه في الثقافة العراقية عمداً وجهلاً وخبثاً ومنذ عام 63، وسوف تلعب هذه الأجيال العراقية المبدعة الواعية دوراً مميزاً داخل الصراعات الفكرية في الوطن العربي المستقبلي إن لم تكن قد بدأت فعلاً، ولا أحد يستطيع الفرار منها أو نكرانها أو إيقافها.        

 

برهان شاوي:

         علاقتك بالشعر لا تقتصر على كتابة القصيدة وإنما على الترجمة إلى الفرنسية سواء كانت أشعارك أو أشعار الآخرين، هل لك أن تحدثنا عن تجربة الترجمة، وعن تأثيرها على طريقة كتابتك للقصيدة، وكيف هي علاقة القارىء الفرنسي بالشعر العربي المترجم؟

 

صلاح الحمداني:

         عندما أتيت إلى فرنسا، لم يكن في حوزتي إلا بعض قصائد كنت قد كتبتها خلال سفري، لأني لم أجرأ على أخذ ما كنت أكتبه من قصائد، ولهذا فقد تركتها عند صديق كان هو الأخر مطارد في داخل العراق (عشرات من القصائد التي لا أعرف أين حل بها الدهر)، في الجامعة تعرفت على شعراء فرنسيين شباب وعلى بعض الشعراء العرب، اللذين كانوا يلقون قصائدهم باللغة الفرنسية وفي نفس الوقت تعرفت على امرأة فرنسية كانت تهتم بالشعر، وكانت تطلب من أصدقائي العرب أن يترجموا لها ما كنت ألقيه من قصائد باللغة العربية في المناسبات الأدبية. بمرور الزمن تكونت عندي قصائد مترجمة إلى الفرنسية، وقد ساعدتني تلك المرأة بجمعها وترجمة قصائد إضافية أخرى، مع صديق تونسي، ومن ثم نشرها في دار نشر فرنسية. وقد صدرت في عام 1979، أي نفس العام الذي اعتليت فيه خشبة المسرح الوطني الفرنسي. أن اهتمام من كنت أعرفهم، بباكورتي الشعرية وكذلك الجمهور الذي شاهد عروض مسرحية كلكامش، رّسخ ثقتي بنفسي ودفعني لترجمة ما أكتبه بالعربية منذ ذلك الحين. علماً أني لم أدرس منهجية اللغة الفرنسية حسبما يقتضي وإنما تعلمتها في الشارع وفوق الأرصفة. ولكن الفضل الأكبر يعود للمسرح، فهو الذي ساعدني على فهم بعض تعقيداتها، لأن المسرح هو أصلاً ترجمة لحالات اجتماعية وكونية ووجودية، ولأن الذي يمثل دوراً ما يتطلب منه معرفة ليس فقط حياة الشخصية المسرحية التي يريد أن يعكس من، خلال المسرح، تعقيداتها، ولكن يتطلب منه أيضاً معرفة عصر وزمن وحياة هذه الشخصية، وكذلك طريقة لفظها للغة، أي الحوار. ولهذا فبدل ما كنت أدرس قواعد اللغة الفرنسية بشكل أكاديمي كنت أدرس وأحلل في نفس الوقت النصوص الأدبية والشعرية والمسرحية مما ساعدني على فهم كثير من الأمور وأيضاً خصوصية النصوص واللغة وأيضاً ساعدني على لفظ كلمات وجمل هذه النصوص وعلى ترجمة حسية الكلمة. وعلى رغم مصاعب الترجمة وتعقيداتها بشكل عام والشعر بشكل خاص، وبالذات نقل الشعر العربي إلى اللغات اللاتينية ومنها اللغة الفرنسية أجد نفس اليوم أكثر قدرة من ذي قبل على ترجمة [أولية] جيدة لقصائدي بنفسي من العربية إلى لفرنسية أو العكس، علماً بأني لم أصدر أي كتاب باللغة الفرنسية إلا بمساعدة أصدقاء فرنسيين، وأغلبيتهم لم يكونوا من الشعراء أو المترجمين المحترفين. والحقيقة هو أني لا أترجم ما أكتبه بالعربية، بل [أضغطه وأفرشه وأسحبه وألوي رقبته]، ومن ثم أغربله وأغير فيه الأمكنة والأزمنة. فالنهر باللغة العربية ممكن تحويله إلى اللغة الفرنسية ليصبح بحرا أو ساقية، وهكذا، النجوم تتحول إلى رمال والموت إلى صناديق والفراشات إلى خفافيش والحشائش البرية إلى بساتين الخ. حدث أني قد كتبت مباشرة قصائد باللغة الفرنسية وما زلت، وقد نشر قسماً من هذه القصائد وصدرت عن دار نشر فرنسية تحت عنوان ("الشك"). ولكن لو أراد أحد مقارنة ما أنشره من قصائد باللغة العربية مع ترجمة نفس هذه القصائد باللغة الفرنسية، فسوف يكتشف ومن دون عناء، بأن قسماً لا بأس به من هذه القصائد قد جرت على أشكالها ومضامينها عمليات تحويلية وتعديلية. ومرات التغيير الكامل وأن زيها العربي لم يبقى منه غير أسمي وأسلوبي ولوعتي بالكتابة وأصلي. أما حينما أترجم لغيري من الشعراء، فالعملية تختلف تماماً إذ أكون مثل عامل البناء الذي ينظم موضع الطابوق والأسلاك حسبما أراده المهندس من تصميم وشكل. ولكن لا أستطيع للآن الاستغناء عن العنصر المساعد الفرنسي بعملية الترجمة لغيري من شعراء أيضاً. أما فيما يخص علاقة القارىء الفرنسي بالشعر العربي المترجم. فقبل الحديث عن هذا الموضوع، لابد من الإشارة إلى القارىء الفرنسي وعلاقته مع شعر وأدب بلاده. أن الشعر في فرنسا وبشكل عام ليس له قراء ومتابعين كما في السنوات الماضية، وهذا يعود إلى دَور دُور النشر وسياستها وتعاملها التجاري مع النتاج الثقافي والأدبي بشكل عام، أضف إلى ذلك ضعف سياسة الدولة بتعاملها مع تجارة الأدب الرخيص ومع المروجين له وضعف مؤسساتها بالتربية والتثقيف العام الخ. وكذلك الترويج العام والمدروس من قبل أصحاب الأموال والجشعين لكل ما هو بسيط وسطحي في الحياة الأدبية العامة في المجتمع الفرنسي، في الموسيقى والرواية والمسلسلات التلفزيونية الأمريكية التافهة والدعايات الخ. فمن النادر جداً مثلاً مشاهدة برنامج تلفزيوني شعري. أما البرامج الأسبوعية أو الشهرية التي يقال عنها "ثقافية" فهي لا تتجاوز كونها منابر ترويجية لبعض دور النشر الكبيرة في فرنسا وليس للأدب الفرنسي. تلاحظ أخ برهان، أن الحديث عن علاقة القارىء الفرنسي بالشعر العربي المترجم ليس من الأمور السهلة، وأن الأمور مترابطة ومتشابكة، وأن الحديث عن كذا موضوع يتطلب التأني والدراسة والتحليل العلمي، وكل ما قلته عن الترجمة تواً ما هو إلا ملاحظات شخصية، ورغم صدقها وصحتها، فإنها لا تدعي معرفة واسعة بالمجتمع الفرنسي.

 

برهان شاوي:

         نقرأ بين فترة وأخرى صراعات فكرية على صفحات المجلات والجرائد حول (قصيدة النثر) مابين الرفض لها والدفاع عنها، وكثيراً ما يثار إلى سوء فهم عربي لمفهوم قصيدة النثر لاسيما حينما ترجم المصطلح خطأً عن الشعر الفرنسي، هل لك أن تبدي رأيك في هذه الأمور؟

 

صلاح الحمداني:

         أسمح ليّ قبل إن أعطي وجهة نظري بهذا الموضوع أود أن أذكر بأني ليس ناقداً ولا محللاً أدبياً، ليست عندي أية رغبة بلعب دور ما في هذه المناوشات. ولا يهمني بأي شكل من الأشكال ما يطرح من أراء حول قصيدة النثر وحول الألقاب الشعرية بالشعراء والشعر التي لم تتجاوز للآن حسب رأي، أكثر من كونها فئوية نخبوية دوخت الرؤوس منذ عشرات السنين. أتصور، أو هكذا هو فهمي للنص الأدبي الشعري ـ القصيدة :

         أن أهم ما يميز المكونات الكتابية وبالذات تلك المتحررة من عبء القوالب التقليدية، اللغوية والمعرفية هو صدق ما تحمله في كينونتها من المعاناة والتجربة الإنسانية، المشحونة بمضامين شعورية عميقة وطاقات حسية داخلية. التي من دونها لا تمكن النص ـ القصيدة من ترجمة بعدها الفكري ـ الشعوري، هذا رغم مصداقية كاتبها وحجمه وتحصن نصه ـ قصيدته بالموروث. ولا ينفعها جدوى تسترها خلف شكلها الفني ـ اللغوي، في إعطاء روحاً وأبعاداً إبداعية شمولية. لأنها لا تعكس غير لغتها الحرفية الصرفة وتقنيتها الفنية الخالية من الشعور الإنساني، وبالتالي فهي على الدوام راكدة الرؤيا، مثل مرض عضال يحمله صاحبه دوماً ككفن بين ضلوعه رغم مرور الفصول، فتبقى محتضرة الوجود فارغة العمق، باهتة العاطفة، ولا تحمل مضموناً لا شعوريا ولا غرائبياً، ولا أي شعاع أو طاقة شعرية متميزة. كما أراد لها كاتبها أن تكون. لربما، وهذا ممكن جداً أنها تعكس موسيقى لغوية، وحتى شفافة لمَ لا ومرات ثورية احتفالية، ولكنها بالتاكيد لا تحمل مغزى أخراً غير ذلك، لأن حتى (موسيقيتها اللغوية) لا تتجاوز كونها أكثر من ذلك، وبدل أن تكون متحررة تصبح حبيسة بناء لغتها الموسيقية، المتطبعة والمطيعة لما يريده الرأي العام والفكر الثقافي السائد والمتداول الذي يخشى دائماً الجديد والغريب. وبذلك فهي ناقصة التصور بلا ذاتية ولا بعد فكري عميق ولا بناء خلاق ولا شمولية في المنظور.

         أجد أيضاً كلما (قرأت ديواناً نثرياً لشاعر عراقي ذو تجربة متميزة، وهم كثيرون في داخل العراق وخارجه) أن كل قصيدة في دواوينهم هي حالة شعرية وتجربة خاصة مستقلة، يتصارع فيها الشكل والمضمون. فتارة يكون للشكل الغلبة، بل ويكون هو موضوع القصيدة الذي يعكس وعي الشاعر بالأشياء وحساسيته بالعالم المحيط به، وتارة أخرى يتقهقر الشكل الشعري ليحتل المرتبة الثانية في أوليات القصيدة ليتبوأ المضمون مكان الصدارة. ويصبح هدفاً. ولهذا فمثل هؤلاء الشعراء، لا يتعمدون إبراز الشكل الشعري وإعطائه الأولية على حساب محتوى قصائدهم. ولكنهم وبنفس الوقت لا يهملون أي شكل كان على حساب المضامين الداخلية للنص، لأنهم، كما أتصور، لا يبحثون لاهثين مثل غيرهم على الشكل الشعري المغري والتجريبي الفارغ لكي يصبون فيه وعيهم ورؤيتهم للآخرين والمحيط والعالم، وإنما يتبلور في داخلهم على شكل أساليب كتابية يهدفون من ورائها، ومرات دون دراية، إلى خلق النموذج الشعري الجديد والمتجدد دائماً بالنسبة لهم ولرؤيتهم الخاصة، على خلاف ما هو متعارف عليه ونجده في كل مكان من الوطن العربي، وعند عدد لا بأس به من الشعراء العراقيين الذين ينتقصون من قصيدة النثر.  

 

* توفى فيكتور غارسيا في باريس عام 1982 وهو يغفو وإلى الأبد في مقبرة البير لاشيز الباريسية.

Le destin ressemble à ces nuits entières

oubliées dans l’encrier... Salah Al Hamdani

ــ موقع الشاعر صلاح الحمداني ــ