عندما أقرأ الشعر يتبادر إلى ذهني سؤال حاد متخثر في رأسي طيلة أعوام، ما الذي أبحث عنه من قراءتي هذه ؟ كيف يتسنى ليّ أن أحب نوعا شعريا وأرفض أخر ؟ ما هو المعيار الحقيقي لفهم واستيعاب أي تجربة شعرية مهما كانت طبيعتها وكيفية إدراك أبعادها ومعانيها ؟ والجواب على كل هذه التساؤلات هو النفي المطلق والأعجاز التام عن إيجاد جواب مرضي مع بعض الاستثناءات التي تؤكد القاعدة التي قام بها بعض النقاد [وتجار الشعر] ولكن للأسف فأن هذه الاستثناءات هي التي شكُلت وتُشكَّل باستمرار النوع الطاغي على الأذواق بما أسميه [الشعر المباشر، الشعر البسيط، الملتزم وغير الملتزم، العاطفي وغير العاطفي، الغنائي وغير الغنائي...] بقديمه وحديثه، أما الشاذ في محيط الشعر والذي أتُفِقَ على تسميته بالشعر الصعب أو الشعر العَصيّ على الفهم والشرح والتفسير، فهو مكتفي بذاته ككتلة هُلامية متغيرة الأشكال يصعب الإمساك بها، وهذا الشعر هو الذي سيكون موضوع هذه الدراسة والذي ينتمي إليه شعر «صلاح الحمداني» و شعر «سيف الرحبي» في ديوانه «أجراس القطيعة».

ولو تناولنا شعر "الحمداني" بالدراسة معتمدين على أي منهج كان من المناهج النقدية السائدة سواء المنهج النقدي الاجتماعي أو السيكولوجي أو اللغوي البنيوي أو التحليلي النصي أو أي بديل آخر يحلو لنا استخدامه، فلن نستطيع الخروج من دائرة الاستغراب ولا حتى إيجاد حلا وسطا يُعيننا على الولوج إلى المغزى الحقيقي لهذا الشعر، ويبقى هذا الشعر وأمثاله شعر اللامنطق لأنه يتجاوز كل منطق تقليدي في التعبير الشعري، وشعر اللامعنى لكنه المتخوم بالمعاني، شعر التجريد الذي يخنقه الواقع القاسي ويفرض مكانه بين سطوره ليخرج لنا عبر عبر مجموعة من الاشارات والرموز والاستنادات التاريخية، الواقعية، الخيالية، حقيقة كانت أم وهمية، انه شعر يُقيد القارئ لكنه لا يخضع إلى أي قيد، بكلمة أخرى أنه شعر الجرأة والخروج عن المألوف شكلا ويثير الاستفزاز والقلق حتى حدود القيء مضمونا، وبعبارة أوضح هو دعوة مفتوحة للمشاركة في التأمل والشرود. بحث دائم عن جوهر الإنسان ووجوده، أنه تتويج للمجهول الهائم في الذات.

كأن لابد ليّ من هذا الاستطراد كمدخل يساعدني للحديث عن كتابات الشاعر "صلاح الحمداني" وبالأخص ديوانه الأول باللغة العربية الذي خرج بعد انتظار طويل تحت عنوان «الوعيد بالإلحاد» عن منشورات النقطة رقم 11.

يبتدئ الشاعر ديوانه بعنوان مهذب لكنه يثير الاستغراب «فوق الطاولة ثمة سماء» بالطبع يمكننا القول وما هو الغريب في هذه الجملة ؟ ففوق كل طاولة وفي أي زاوية من العالم هناك ثمة سماء رغم ملايين السقوف التي تمنعها أن تكون فوقها مباشرة، وما يتلوها من جمل متفجرة تدفعنا أكثر فأكثر نحو الاستلاب والنرفزة والترقب أو الاستغراب الشغوف بالنص. فما هي بداية وصفية تضعنا في مقعد متفرج مذهول أمام أحداث فيلم يتحدث عن عالم آخر مبهم «حيطاني قناديل بلون اخضرار سياط الجحيم» فهذا العالم الآخر قد يكون الجحيم ومن هنا تأتينا الصفعة الولى. وتزداد الصورة قتامة وتتحول عيوننا إلى مفارز للانتظار عندما يحدثنا الشاعر «سائل بلون وجهي بعد الليل يذوب الصمت» .

وهي إشارة واضحة لطغيان الظلمة وسيطرة السواد حيث انفجار الضوضاء وصرخات الخوف والألم ومن هنا نستطيع أن نحدس بأننا مقذوفون في رحم السماء حتى لو أننا ما زلنا جالسين على الطاولة فهناك «ثمة سماء».

والظاهرة الملفتة للنظر في معظم قصائد الشاعر، الجو الكابوسي حيث التيه واللامخرج والأبواب دائما مغلقة والجميع ينتظرون، الناس والأشياء والشوارع وجميع الأماكن والأزمان وكل الكائنات بانتظار شيء ما أنه انتظار مأساوي لدرجة تتحول فيها الطبيعة الجميلة إلى مسخ مخيف.

وموضوعة الانتظار هي تيمة أساسية تتردد غالبا في كل دواوين الشاعر المنشورة وغير المنشورة التي أتيحت ليّ فرصة قراءتها، ثم يأتي الموضوع الثاني الذي يحيط بكل أجواء القصائد إلا وهو السأم الذي يتردد كعالم يخنق بين طياته كل حركات الكائنات والأشياء إنه «سأم العيش» الذي تحدث عنه الشاعر الفرنسي «بول فاليري». وها هو الشاعر يعود مرة أخرى في مطلع قصيدته الثانية في الديوان ليعلنا لنا، أن : «الهواء خشن، والآخر ضحكة عريضة في البعيد، انتظركم.. صقر فوق رمس السأم... خوف تائه فوق محيطات الإرهاق، سرطان«.

وما أذهلني وجذب انتباهي بشكل خاص في هذه المجموعة القصيرة من القصائد هو ذلك الكم الهائل من الحيوانات التي لا تخلو منها ولا قصيدة واحدة من الديوان أنهم الأبطال الحقيقيون الذين يرسمون خطوط العالم الشعري ويحددون حدوده.

إذ نرى الأفاعي ترتوي من ماء النهر، والعقارب تنجبها العاهرات، والعناكب مختلطة بالأسنان، والعفاريت وخيولٌ تحمل الوقت، ولكلمات الصيف رفاق هم خفافيش السأم، وصقر فوق رمس السأم، قُبرة تحمل الوصايا، ثم بعد فترة قصيرة نستهلك فيها مقاطعا شعرية ذات منحى ذاتيا بحتا يبرز لن حيوان آخر ترتبط صورته في أذهاننا بالطاعون لكنه هنا بريء ومزعج :

«جرذ يرتطم بعفوية، في أسوار مروج نعاس الخفافيش«. للخفافيش إذا دور آخر وللقُبّرة التي أصبحت قُبّرات عودة ثانية تظاهرت عَبَر صداها قادمة من الماضي : «صدى قُبّرات الماضي، سحر كوني نعاسه مزمار مغطى برمال جياد البحر».

هل هناك من تعرف على جياد البحر أو كان قد رآها يوما ؟ إنها كائنات كعروس البحر نسمع عنها ولا نراها، لا شكل لها ولا هيكل. ومع هذا فهي تعود لتطفو على السطح الناصع للرمز والغير قابل للتخيل... أن هذا القرف المستمر يبدو لنا بين حين وآخر مستخدما أكبر قدر ممكن من الحيوانات الأليفة منها والغريبة الداجنة والمفترسة.

كل هذا الوجود الهادر يلبس ثوب السأم والضجر القاتل الذي يبرز لنا بين السطور في كل لحظة سواء ذُكر بالحرف أو لم يذكر، تحيطه انفعالات مدموغة بالأماكن الموبوءة العفنة التي تسكنها الذاكرة والذكريات المشبوهة بإقامة العاهرات واللقطاء وأمراء اليأس والحزن واللذّة والخطيئة وكل ما ينتمي لعالم المنبوذين، كل شيء هنا ينتصب بصلابة وتحدي أمام المجتمع، أمام أوامره وقوانينه وأعرافه.

هذا هو المحتوى المدفون كأنه جثة متفسخة متفككة الأوصال نتحسسه من خلال المعاني ومفرداتها المترادفة وصيغ التشبيهات التي تكتظ بها القصائد بواسطة التكرار المنتظم بوعي أو بلا وعي رغم هذا فأن رحيل الشاعر وغربته الداخلية لا يتوقفان ولا يتقيدان بقيود المسافات والأزمان، وفي نهاية هذه الجولة يبقى السؤال الأزلي ساكنا بلا حراك : ما هو الشعر وأين نجده ؟ «الشعر، هذه الساقية المرعوبة من صرخات القردة المتحضرين».

ليس من البديهي القيام بتقييم أثر شعري ما إذا لم يكن الكاتب أو الناقد الدارس لهذا الأثر صلة حميمية به للوصول إلى مكمونه الحقيقي وعمق قيمه الجمالية والفنية، وبما أنني أمتلك صفة المشاركة الوجدانية لهذا الكم الشعري الهائل الذي خرج من أعماق شاعر عايشته حتى في أحلك لحظات الإبداع والقلق، النشاط والخمول، وحتى في الحياة العامة، وهذا ما دفعني بالذات للخوض في هذه التجربة لإحساسي بأني محاصر أن لم أكن مطاردا بانين وصدى الكلمات الثائرة بين سطور شعر «صلاح الحمداني» سواء كان ذلك عبر دواوينه الثلاثة التي صدرت باللغة الفرنسية أو مجموعاته الشعرية الكثيرة المكتوبة بالعربية. وعندما حاولت ذلك في الصفحات السابقة لم انجح في مسعاي النقدي لذا فقد فضلت أن أستسلم وأترك العنان لعواطفي ومشاعري أن تتحدث عن هذه الأشعار المكبلة منتظرة ساعة الإفراج عنها لأنها مسجونة بتهمة الاغتصاب، اغتصاب قوانين اللغة وحرمة التقاليد البالية واتهامها أيضا بالتخريب وتحطيم أسوار التعتيم واللامبالاة والتجاهل والترفع التي بناها الشعراء [الكبار] حول أبراجهم العاجية عبر مجلاتهم وصحفهم الأدبية التي احتكرها مجموعة من النقاد الذين يدورون في فلكهم ومهمتهم إطباق الحصار حول هذا الجيل المتمرد من الشعراء الشباب وهم في محاولتهم للإفلات من حالة الوصاية الدائمة التي فُرضت عليهم لذا فقد دمغت تجارب هؤلاء الشعراء بشتى النعوت السلبية والتقريح والتجريح اللاموضوعي. إنها تهمة بل جريمة تلك التي ارتكبها «صلاح الحمداني» بكتابة هذا النوع من الشعري الفوضوي حسب ما يؤكده كتاب المؤسسات الصحفية.

إن ما حبلت به تجربة الخلق الشعري عند هؤلاء الشعراء المعزولين والذين ينتمي إليهم «صلاح الحمداني» و«سيف الرحبي» وغيرهما من هذا الجيل المغضوب عليه كان نتيجة حتمية وخلاصة مركزة شعريا للتجربة الحياتية المُرّة التي اجتازوها وما زالوا يجتازونها يوميا بصورة تزداد كثافة وصعوبة يوما بعد يوم، أن هذه الدوامة اليومية هي المحرك الأساسي للإبداع تمكنت من تشييد هذا البنيان الهائل من المعاناة التي تجاوزت كل الأطر والتركيبات المتعارف عليها ذات البنى الكلاسيكية أو حتى شبه الحديثة منها التي اتخذت صورا أخرى مصاغة بأسلوب شعري ينفر من كل محاولة لتقنينه أو تقييده أو إرجاعه إلى صفوف الشعر العقلاني ذي الصور المنطقية والمقارنات العقلية والتشبيهات الفقيرة، وكان لابد لهذا الشعر البديل أن يقفز للصدارة وأن يفرض نفسه على المتلقين وعشاق الشعر المتفتحين. أنه شعر لا يحيطه تعريف جمالي أو نقدي أو نظري ثابت سوى صفة واحدة لها من الخطورة وتعدد المعاني ما يجعلنا نتفاداها عمدا خوفا من التأويل الجارح المبالغ به أو الاستغلال السيئ للمفهوم اللغوي لهذه الصفة لكننا نستطيع أن نقول وبلا تردد ودون الخوض في التفصيلات النظرية وتفادي المناقشات العقيمة أن هذا الشعر هو [شعر مطلق] أو [شعر متحرر إلى حدود الفوضى] أنه شعر العدم الذي يستلهم تجارب الماضي إن وجدت أو ليختلقها أن لم تكن قد وجدت واستدعت الضرورة ابتداعها ومن ثم يمزجها مع رحيق الحاضر في دائرته السوداء وتعاسة لحظاته ويغرس ذلك داخل نسغ التجربة الآنية للفرد لتخرج بعد ذلك متخذة شكلا شعريا روائيا وصوريا متخما بالتشبيهات والمجازات اللامنطقية التي تقترب من الهذيان اللغوي لكنها تمتلك قيمة التجديد وريادية المبادرة في عملية التحطيم وكسر القيود والخروج إلى [هواء اللغة المطلق] ـ إشارة إلى ديوان الشاعر «عبد القادر الجنابي» الذي يحمل هذا العنوان ـ وبهذه الصيغة المتقدمة من الأسلوب الشعري المتجدد ذو التعابير المعقدة التراكيب والتي تزدحم فيها الصفات وصيغ الحال والأحداث، يساهم الشعراء الشباب في داخل الوطن أو في خارجه بنصيبهم في معركة الأفكار الشعرية ليدفعوا بذلك ثمنا سخيا هو الارتكان في الظل وزوايا النسيان وتجاهل أصحاب مؤسسات النشر لنتاجهم منتظرين نهاية هذه المعركة التي أخذت أشكالا متعددة وتطورت عبر سنين طويلة وعانى منها أجيال عديدة من الشعراء إلا وهي معركة القديم والجديد ومفهوم كل منهما وإيجاد تعريف ثابت وصحيح لعبارة الجديد أو الحديث، عن الحداثة وأصولها وتقاليده وتطورها وعن أهمية الشكل والمضمون وأولوية كل منهما ووظيفته وما تبع ذلك من خلافات بين المدارس والتيارات وما خلقه من نقاشات ومهاترات نظرية وتهجمات على صفحات المجلات والكتب بين النقاد والشعراء أنفسهم.

 

تنويه :

هذا النقد نشر قبل سقوط الدكتاتورية في العراق !

تداعيات في شعر التجاوز

مجلة السلام شهر تموز 1988

بقلم جواد بشارة

 الكاتب الباحث جواد بشارة

        لم يكن شعر «صلاح الحمداني» بمنأى عن هذه الحالة البركانية المتفجرة في جسد الشعر ولم يكن بعيدا عن كل هذه الصراعات بل كان هو أيضا أحد ضحاياها فمنذ كتابه الأول والذي صدر باللغة الفرنسية تحت عنوان «حناجر بدوّية» كان قد حدد هويته الشعرية واحتل مكانه بفعل الإصرار والجودة وتشبث بمخالبه داخل أدغال العالم الشعري المتعدد القنوات والحفر والفخاخ المعدة لكل قادم جديد يحمل نسائم التهديد والبلبلة ومع هذا فقد تبوأ مكانة متميزة تجذب احترام الآخرين واهتمامهم.

وفي أحدى قصائد الديوان الأول وبعد أن كان قد وعد بالعودة كتب قصيدة هي عين الالتزام بماضيه وطغيان انفعالات الحنين ممزوجة برغبة هائلة بالتدمير ليتوج بها مشاعره وهو يخاطب الأم الغائبة في قصيدته الوصية : «سأعود، أحمل لك في أحزاني صورتك، وفي ملامحي لعنتك، فلترفع راية مكتوبة بدمي، هاهو المهاجر يعود، يحمل خيبته في كفيه، فلتنصب مشنقتي كالجاسوس الخائب، وليصطف كل المشردين استقبالا، وكل الرجال ذوّي الأيادي الخشبية، وليبصق في وجهي طفل مشرد».

وفي هذه التجربة الشعرية المنشورة التي تشكل بدايته كان يحاول عبرها رسم خطوط منهجه الشعري ويعلن عن بداية بحث طويل دائم وتجريبي لإيجاد أسلوبه الخاص به، كما كان يحاول جاهدا فرض هذا الشكل الأولي الكثير الخصوصية على نفسه، ومن ثم إقناع الآخرين بأهميته وجدواه بصعوبة بالغة. أن جُمَلُهُ عميقة المعاني وقابلة للتأويلات المتعددة، ويمتاز هذا الأسلوب أيضا ببساطة مفرداته اللغوية لكنه في المقام الأول خطوة جريئة للتحرر من ربقة التقاليد والانتفاضة على التكلس الشعري الذي يسلط سيفه على رقاب أغلب التجارب الشعرية الشابة فردية كانت أم جماعية.

أن شعره في هذه المجموعة الأولى ينطبق عن عفوية ومباشرة تقترب من الوثائقية في سرد الأحداث وحبك الموضوع وتخطيط الانفعالات والمشاعر كأنه بصدد كتابة رواية شعرية مكثفة ببضعة أسطر للحديث عن مسيرة حياته في ملحمة الإنسان عبر سنين طويلة بل وحتى أجيال كاملة تتحدى الحياة وتحتاج إلى وصفها وتقديمها آلاف الصفحات والمجلدات.

أن ما يقوده بحس شعري هو المبدأ المتجذر باللاوعي والذي يحدد بنقاء «أن كل نشاط فكري أو فني وكل تجربة إبداعية شعرية كانت أم نثرية أم أي صيغة فنية بكافة صورها وأشكالها يجب أن تكون نابعة من أعماق نفس حساسة تواقة لإخراج هذه الأحاسيس المعتصرة في داخلها على هيئة ما، سواء على شكل صيغ شعرية أو بقع لونية أو كتل حجرية منحوتة أو تنويعات صوتية موزونة وموسيقية على أن يكون مبدعها كائنا خلاقا ممتلكا لأداته الفنية وله القدرة على التوصيل تؤهله أن يلعب دوره في التعبير عن العالم».

عندما تأخذ الصورة المبتغاة مكانتها الملائمة وبالذات في الشعر يصبح هذا الأخير حينذاك وسيلة تمتلك ناصية العالم الوهمي أو عالم «الما وراء» إضافة لامتلاكها الكامل للعالم الواقعي الموازي له كامتلاكها للوجود وعدمه بنفس الوقت وأن نجحت هذه الصورة الشعرية في مسعاها فأن ذلك سينطوي على نتائج أسلوبية رائعة وأن المقاطع الشعرية ستحوي في ثنايا أبياتها نفس الكون وتضم بين سطورها انعكاس هذا العالم بجانبيه المادي والروحي، الطبيعي وما وراء الطبيعة وعلى المستوى الذاتي فالحديث سيكون بداهة عن عالم الهجرة الداخلية المتخمة بالرموز والصور المجازية الكثيرة والتفسيرات لكنها ستبقى معلقة وبلا تحديد مُرَكَّز بين الجوانب النظرية السابقة والمعاصرة واللاحقة لها من جهة وبين القالب النظري الشديد الخصوصية الذي يحتويها نسبيا من جهة أخرى ومن هنا تنشأ صعوبة نقدها وتقييمها لتخلق إشكالات وتساؤلات عديدة على المستوى الجمالي لا نهاية لها.

ولا ينبغي علينا أن ننساق وراء هذا الهرم الصوري الذي يكتنف قصائده لأننا سننتهي أمام نفس الحالات المُقَنَّعة المحاطة بهالة من الرموز المستعصية على التفسير دون أن تفقد حسها الجمالي الأصيل وإيقاعها الموسيقي الداخلي وصدقها في عرض الانطباعات الوجدانية ونحن في فهمنا لها لن نتجاوز عتبة التلاقي الشخصي بسلبه وإيجابه.

إنها كما نرى النقمة الملغومة القابلة للانفجار في كل ثانية مصبوبة على الآخرين وقابلة للانزلاق في مأزق عصيب، فهل من مخرج لهذه المآزق الشعرية التي تجرنا نحو التيه والابتعاد عن التمتع بالصدمة الأولى للتلقي : «الليل ذراع امرأة شابة، متحجبة بغسق العتمة، تؤشر بأصابع من صقيع، لرجل من الصدى، منتظرا على عتبة المساء».

هذه الكتابة الشعرية ذات النغم الفردي تنم عن صفاء الطرح المباشر والعفوي لما يجول داخل النفس من غليان، إنها تغطي رقعة شاسعة للواقع الآنيّ للشاعر في فترة قصيرة من حاضره بتعقيداته وتنوعاته المكانية واللحظية ثم تتجاوزه إلى حيز أخر من الماضي بانقسامه الدرامي إلى ماضي حقيقي ذي أحداث تخضع لمنطق الوعي وآخر مُفترض أو متخيل يخضع لمنطق اللاوعي، بعبارة أخرى حصر الزمن المطلق ليغدو بعد ذلك زمنا شعريا خاصا ومؤطرا داخل أعمدة التجربة الذاتية للشاعر والتي عاشها في لحظة سفر داخلي في تلافيف  ذاكرته في مجاري نفسه وبالذات عند انتقاله الحقيقي لبلد آخر حيث جميع ما وخزته نظراته وما اكتنزه دماغه وما حزّ في كيانه الحاضر من مشادات وما واجهه من صدف وحوادث تخرج عن المألوف اليومي، استفاد منها ليعيد صبها في قالب ذي وحدة فنية جمالية كونت مادة مجموعاته الشعرية ومنها ديوانه الثاني والذي صدر باللغة الفرنسية تحت عنوان «أقصى الصباحات» الذي يمتاز هو أيضا بصفة مهمة وهي التفرد والاختلاف عن بقية الآثار الشعرية التي كتبت وصدرت في فترة خروجه، أنه عبارة عن واقع لرحلة حقيقية إلى بلد آخر عاش فيها الشاعر تجربة حياتية تجاوزت واقعه اليومي الرتيب، ولخصها بقصائد هذه المجموعة الثانية : «أنظر نفسك، أنظر نفسي، ليس لنا قبور / في هذه الأرض كما كنا نحلم/ في ذلك الليل العجوز، أعلم أني وراء عينيك أرفس مذبوحا، أتنفس كبلدا مهجورا، في قفار ذاكرتك، ما لمسته عزلتك الشيطانية».

أن هذا الآخر الذي يَردُ في هذه القصيدة هو الجسد الثاني لنفس الروح التي تقمصها جسد الشاعر، أنه يرى نفسه في الآخرين إذ إنه موجود في كل مكان، في كل جسد وفي كل خلايا كل مأساة وهو يحاول أن يقول وبلا مواربة وفي كل لحظة وبنصوع نادر أن الإنسان عموما والكائن بشكل أشمل، ليس إلا مرآة تعكس نرجسيته في علاقاته مع العالم والطبيعة والأشياء والمرأة أو الجنس الآخر حتى ولو كانت هذه العلاقات عابرة ووقتية فإنها ستبقى مدفونة في دهاليز الزمن ولكنه ليس أي زمن كان، أنه بالتحديد زمن الشاعر الخاص الذي يلعب دورا حيويا في كل أشعاره : «الشاعر شعلة، تتلاشى، غسق في قبعة بيضاء».

أن الشاعر عنده كإنسان معذب دوما هو لحظة مزروعة في دروب الآلام الطويلة وبقعة مُسمَّرة في محنة الوجود. هو كتلة متحركة من المشاعر والأحاسيس المتسكعة في طرق الحياة الوعرة والداكنة أنه حبيس أزلي حتى نهاية العالم بخيالاته التي لا يمكنه حتى الولوج إليها وفك طلاسمها بشكل مطلق لذا فأنه يكتفي بالإشارة إليها ودغدغتها من بعيد ليفصح لنا عن عجزه أمام هذا التشابك العنكبوتي، المدمر.. عن هذا اللغز الكامن وراء كل حياة : «لماذا نحن هنا ؟ لآن الآخرين هناك».

كل الآثار الشعرية الحديثة ورغم تنوعها واختلافها تصب في هذه البوتقة الوجودية وتحمل في طياتها نظرة شاملة لحالة التساؤل المستمرة هذه، وبذلك فهي تُعمق أزمة الفراغ الرهيب الذي يغلف الوجود ويفصله عن العدم. أنها أزمة الشعر الراهنة وهي بنفس الوقت أزمة الإنسان المعاصر في محيطه الغربي كإفراز لـ «اللامنطق»، وتأتي القفزة النوعية الثالثة للهيكل الشعري الشكلي الذي أبدعه «صلاح الحمداني» في كتاباته الشعرية عند صدور كتابه الثالث وباللغة الفرنسية ـ أيضا تحت عنوان «ذاكرة الماء».

في هذا الأثر الشعري الثالث الذي تتزاحمه كالعادة شلالات هادرة من الصور الشعرية المنسوجة بلغة بلاغية ومستندة إلى الصيغ [التشبيهية]، نقترب أكثر من حالة الهذيان المتجسد في صلب المواضيع المطروحة وكذلك القرف اللغوي الذي يجتاح كالطوفان محيط الشعر الكلاسيكي لكن هذه الصور ورغم كل تجاوزاتها تظل متماسكة وقوية في إيحاءها لجملة من المعاني التقريبية الكامن منها والظاهر بشكل مدهش لتصف لنا جملة من الأفكار ذات الطابع الملحمي التي تخيلها الشاعر وهي عبارة عن رجوع دائم ومتكرر «للأنا» المتعدد الوجود الذي تتقمصه شخصيته ذات الخصال الجامدة الملامح بعد أن كان قد البسها ثوب التنوع وزوّقها بأسماء لأشخاص وأرقام ومواقع لاماكن مجهولة أم معروفة ليدفع لنا بالختام بحمم براكينه المتفجرة بأعماقه مأكولة بالحقد والثورة نتيجة الصراعات التي تجتاحه وتزيد من كبته الذي يعذبه مما يجعلنا نتصوره خارقا في شوقه للجريمة والتدمير، أن أبطال قصائده هم أرقام تجريدية مسلوبة الذات والكينونة ولسنا بحاجة إلى إضافة أي تعليق لما يجري للإنسان قبل ولادته، في حياته، وبعد مماته، كاستمرار عبثي. أنهم أناس حُكم عليهم بالضياع والتجوال الأبدي، بمجابهة الأخطار والصعاب، وبالبحث اللامجدي عن الحلول، بالتساؤل المُرّ بلا أجوبة وبلا اتصال مع الآخرين، بمرافقة الأموات والغائبين، بانتظار الهموم المختفية، أنهم يدورون ضمن زوبعة الخيال ويتحركون داخل إطار اللاحركة، من هنا يحق لنا أن نستنتج بأن كل ما يدور أمامنا بواسطة الكلمة والفعل ينطوي على مفاهيم عدة للاوجود قابع على ضفاف الكينونة الجاف، ألسنتهم تنطق عن خوف مستمر من فقدان ذواتهم التائهة أبدا.

كل شيء معهم يتشابك وتختفي معالمه، الضوء والظلال في صراع محتدم ومستمر كرمز للتناقضات التي تطغي على العالم حتى أشعار آخر قد لا تصل نهايته المطلقة، أنهم يواجهون مصيرا شبحيا في ظل غياب أدنى أنواع المقاومة الجادة للخروج من هذا المأزق الكوني، لقد جردوا من كل ما يمت للصفات الإنسانية من صلة، أنهم والجماد شيء واحد، مصطفين في خط واحد، ولهم قيمة واحدة، أجساد بلا عواطف، أنهم ليسوا أكثر من نقطة ضوء فاقدة المعالم، تجريدية التكوين، أو كتلة حسم ليس لها شكل محدد، أو نقطة غير مرتكزة في مكان ما، أو أسم نكرة، أو فعل ممزق، أو شيئا ما لا نعرف كنهه، فهل يمكنكم أن تدلوني على أسلوب شعري يمكن أن يصل إلى مصاف هؤلاء الأبطال التجريديين، أن لم يكن مبدعه هو واحد منهم يتحدث عن لسانهم ويحس دفء دمائهم الجليدية، فإذا كان لهذا الحس أن يُمسخ، وللصحراء أن تبتلع المحيطات، ولليابسة أن تغتصب الماء لتدنس ذاكرته، فلن يكون هناك سوى شاهد واحد على هذه المآسي ذلك هو شعر «صلاح الحمداني».

                                            جواد بشارة / باريس 1988

 

 

نقـــــد

 غلاف المجلة

Le destin ressemble à ces nuits entières

oubliées dans l’encrier... Salah Al Hamdani

ــ موقع الشاعر صلاح الحمداني ــ