س : ها قدت عدت إلى وطن كان سرابا وحلما مستحيلا فأين المنفى من هذه العودة ؟ وأين الوطن من المنفى ؟

 

─ قبل الحديث عن المنفى أود أن أقول: قبل خروجي من وطني كنت غريبا في داخله... وهذا الشعور بالغربة ينمو ويتكون حينما لا يجد المرء من يحتضنه ويأخذ بيديه ليقوده خارج الأزمات... الذي حدث، هو أن صدام ونظامه ومن كان يهتف بطول عمره اقتادونا كما اقتادوا جيلي إلى الهلاك... جمعونا كلنا بالتهديد وبقوة السلاح فوق شرفة تطل على خرابهم الفكري والمعنوي والثقافي والسياسي القومي، ليدفعوا بنا واحد بعد الأخر في ملذاتهم الشخصية المريضة والعبثية المجنونة... ومرات كان صدام يشدنا على شكل حزم من الرجال والشباب والشيوخ والنساء والرضاع ويرمي بنا دون رحمة في جحيم حروبه ووطنيته العربية الإسلامية المزيفة... جاء الانتماء السياسي في الجيش ولكن كان انتماء ينقصه التجربة والحنكة. ولهذا كنت وبعض [الرفاق] لقمة سهلة للاستخبارات العسكرية والمدنية التي كانت ترصد وتنصب الكمائن لمعارضي حزب صدام والإيقاع بهم... بعد الاعتقال والتعذيب والسجن طردت من الجيش على وفق المادة [131] من قانون العقوبات العسكرية عام 1973... وقتها كان العراق تحت قيادة بعثي ومنظم انقلابات هو البكر... تركت العراق وأنا لا أجيد لفض كلمة أجنبية، ناهيك عن اللغة العربية التي لم أتعلمها جيدا بسبب جهل التدريس ولكوني كنت أعمل في مهن مختلفة نهارا وأدرس ليلا... ومنذ 30 عاما هو تاريخ خروجي من العراق وأنا لا أعرف إلا القليل عن ما حل بأهلي، وعن ما حل بأصدقائي القدامى الشرفاء، الذين ساعدوني ماديا ومعنويا على الخروج من العراق... في أية قادسية مشؤومة يا ترى ؟ وفي أية [كونة] تافهة للجلاد راحوا ضحية غروره السياسي الطائش وأفكاره الفاشية التي لم تجلب إلى العراق سوى الحروب والمجاعة والخراب والاحتلال ؟ أحدى أمنياتي اليوم هو أن يجمعني بهم هذا الزمن وأن يكونوا سالمين ! وأتمنى أن أزور قبر والدي الذي توفى ولم أراه بسبب نظلم صدام ومليشياته...

 

س : ما زال المنفى عالقا في الذاكرة في كل لحظة تخطوها فوق أرض الوطن ؟

 

─ في المنفى ـ في فرنسا، ومنذ مجيئي إليها نهاية عام 1974 وإلى حد اليوم. أنا ورفاقي لم نترك الفصول تمر هكذا هنيئة على مؤسسات النظام الدكتاتوري في باريس. فكنت والعراقيون المناهضون للدكتاتورية وللحصار ومع الأصدقاء الفرنسيين ـ أقصد أولئك الفرنسيين الشرفاء الذين لم تغشهم الهدايا وكابونات النفط للتمويه على ماهية نظام وشخصية الدكتاتور. كنا نناضل كل حسب إمكانيته الفكرية والعقلية والجسدية: في تأسيس الجمعيات والروابط، وتنظيم التظاهرات والاحتفالات الوطنية العراقية والنشاطات الثقافية الفكرية المتنوعة والمتعددة، من أجل شد لحمة الجالية العراقية بالوطن ومناهضة النظام الفاشي في بغداد... وثمن كل هذا، فقد كنت قد قطعت الاتصال مع الأهل والأصدقاء منذ فترة طويلة وذلك خوفا عليهم وعلى أرواحهم وأعراضهم. خوفا على والدتي الطيبة وأخواني ووقاية وحرصا على شرف أخواتي وأعراضهن من أن يأخذهن صدام وسماسرة مليشياته وفدائيه المجرمين بصفة رهائن وورقة ضغط لكي لا نناضل ضد طغيانه، كما فعله مع بعضنا في أوربا والعالم...

س : حدثنا عن أهم الأعمال والنشاطات الثقافية والأدبية الفنية التي مارستها في المنافي ؟

─ في البداية عملت في مهن يدوية وشاقة، مثل عامل بناء الخ... إذ كنت أعمل نهارا وأدرس المسرح والسينما في الجامعة مساء. وبعد ذلك حصلت على ليسانس في المسرح من جامعة باريس 8 في فرنسا... ثم أضاف: باختصار شديد ليّ نشاطات عدة في الأدب والفن، وقد قمت بأعمال عدة في مجال الإخراج والتمثيل وكذلك في أعمال فنية تنشيطية على المسرح، لنصوص مسرحية شعرية قدمت على شكل أمسيات ومسرح جيب ومسرح شارع ولقاءات أدبية فكرية وفي أنحاء عدة من فرنسا والعالم... وقد ساهمت مع أدباء فرنسيين بتأسيس مجلتين للشعر الأولى كانت تحت أسم "طباشير" والثانية حملت أسم "المرفأ" وقد توقفتا لصعوبات مادية. وقد نشرت العديد من الكتب، ما يقارب الـ 23 كتابا، من الشعر والقصة، منها باللغة العربية، صدرت في باريس وفي سوريا، والأخرى قد ترجمت من كتاباتي العربية إلى الفرنسية، ومنها 4 كتب شعرية قد كتبتها مباشرة باللغة الفرنسية أخرها هو كتاب [مقبرة العصافير يتبعه بغداد حبيبتي] والذي يحتوي على ثلاث أنواع من الأدب؛ القصة القصيرة، السرد النثري والشعر. وصدر باللغة الفرنسية عن دار نشر أوب [الفجر] أواخر عام 2003 في فرنسا. علما، أني من المسرحين العراقيين الذين كان لهم الشرف بالعمل في المسرح الوطني الفرنسي، ومع فرقة الحكواتي الفلسطينية.

 

س : ما مشاعرك وأنت المنفي عندما شاهدت سقوط تمثال الطاغية في بغداد في 9 نيسان 2003 ؟ وما مشاعرك الآن ؟ حدثنا عن تلك المشاعر..

 

─ تريد الصراحة، بكل برودة أقول لك. لم أشعر بشيء ؟ وكأن الأمر لا يعنيني ؟ وأعتقد اليوم أن سبب ذلك كان يعود إلى عمق المواجهة مع شخصية جزار العراق ومع ما كان يمثله ويرمز له نظامه في العالم من جانب، وعدالة القضية الوطنية الممتزجة مع روح المنفي وتفكيره بالمساهمة الفعلية بالتخلص من هذا النظام من جانب أخر. ولهذا فأن النضال المحتدم ضد فاشية مثل فاشية نظام قمعي وعنصري كما كان جاثما على رقاب العراقيين، والتي كانت متمثلة بشخصيات سفاحين وقطاع طرق، مثل صدام وزمرته ولمدة 30 عاما، والتي أجبروا خلالها الشعب العراقي واقتادوه إلى المجازر والحروب الطائشة. جعل كل ما يصيب قلب هذا النظام ورأسه من التغييرات الداخلية كانت أو الخارجية، تعكس وتعطي أبعادا شعورية تختلف تماما عند هذا وذاك من العراقيين. فلإنسان الذي يرقد ويستفيق وباله منشغل بإيجاد الطريقة الأنجع في المساهمة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الوطن ومن الناس من هذا النظام. وبين من كان يرقد ويستفيق وهو يبحث عن لقمة العيش وفي العودة في نهاية النهار إلى داره سالما. ولهذا فأنا أتصور أن هناك اختلافا كبيرا، بين من كان يعيش أصلا تحت أقبية وفي دهاليز المؤسسات القمعية في داخل العراق، والذي كان مضطرا، بسبب بشاعة اضطهاد النظام اليومي للناس وعدم احترامه لحقوق الإنسان في التكيف مع القمع والحصار بطريقته الخاصة، مما جعل طاقته على الاحتجاج تصاب بالشلل، خوفا من التعذيب والاغتصاب وقطع اللسان أو الموت مثلا. وهذه طبعا من الأمور التي نتفهمها بعمق، ودون أدنى شكوك بمصداقية تلك المشاعر وتلك الحالات ولا نتعالى عليها. وبين من كان خارج قبضة هذا النظام وإرهابه والذي كان همه الأول والأخير هو التفكير والبحث عن وسيلة لتكسير قيود وسلاسل الشعب المحتجز والمحاصر بقوة الإرهاب، وتحطيم جدار الرعب الذي بناه النظام العاتي والمجنون، بتكميم الأفواه وإطلاق الرصاص على رؤوس الناس لكي تبقى أنيابه مغروسة بعنق الوطن مثل الضبع الذي لا يرويه غير دماء من يسقط في مصيدته. وهنا أنا أتحدث عن المنفيين السياسيين الحقيقيين وليس عن الذين خرجوا من العراق لأسباب مادية أو في البحث عن لقمة العيش. وأقصد بالذات من ترك العراق لأسباب اقتصادية.

أن ما حدث بسبب الحرب [والتي تبقى في وجهة نظري غير عادلة وغير شرعية دوليا]، ولكنها، وهذا لا أحد يستطيع نكرانه اليوم، قد أحدثت تغيرات، حيوية، فعلية بالوطن، ليس كونها فقط مزقت شريحة الدكتاتورية ومؤسساتها من الجذور، ولكنها أيضا خلقت فرص عديدة لمن كان حاقدا على هذا النظام، وكذلك لمن كان خانعا بسبب همجية ووحشية هذا النظام في الداخل، وهي كذلك فتحت الأبواب على مصراعيها لمن كان مناهضا لهذا النظام ومنفي في الخارج. كل هذا جعل من أفكاري وأرائي اليوم بالتفاعل لكي تكون في مستوى هذه الأحداث الكبيرة التي يمر بها ويعيشها الوطن. شيئا أخر ! غير الذي كنت أفكر به قبل الحرب ؟ هذا رغم أن هناك شعور يجول في داخلي. كيف أسميه وكيف أن أشرحه، رغم ذلك تراني غير قادرا على شرحه ؟

قبل سقوط صدام بأيام وفي مظاهرة نظمت ضد الحرب على العراق في فرنسا، مساء يوم 29/3/2003 كنت برفقة زوجتي في تلك المظاهرة. ولكننا لم نكن نرفع شعارا يندد بالحرب على العراق فحسب بل شعارا يدين دكتاتورية صدام ومذابحه ضد الشعب العراقي. فكنت مثل أغلبية العراقيين المنفيين في فرنسا [وليس كلهم] مناهضين لبوش ولسياسة أمريكا في العراق وفي الشرق الأوسط والعالم، وفي الوقت نفسه مناهضين للدكتاتورية في العراق. وهذا ما لم يريح العقول الصدامية واستخباراتها في فرنسا، في أن يدان الدكتاتور علنا في [الأعلام المكتوب والمرئي والمسموع]، وأن يرفض هو ونياشينه جملة وتفصيلا، كما نرفض في الوقت نفسه الإمبريالية المتمثلة ببوش وحربه الفتاكة ضد الشعب العراقي. فجاء الاعتداء المنظم عليّ وعلى زوجتي الفرنسية في وسط تلك المظاهرة التي كانت تجمع مئات الألوف. والاعتداء جاء بتحريض من أحد مسئولي [جمعية المغتربين العراقيين في فرنسا]، تديرها الاستخبارات البعثية العراقية في فرنسا وفي أوربا. فهجم علي ليضربني مع أكثر من 15 عشر شخصا، كانوا ملثمين باليشماغات الفلسطينية وموالين لصدام ونظامه [هذا ما جاء في الصحافة المرئية والمكتوبة والمسموعة في فرنسا وفي العالم] وكان المعتدون يرفعون صور الطاغية وشعارات تمجده الخ. أسقطوني بركلاتهم على الأرض مرتين. وما زلت أعاني من أوجاع في الأكتاف والضلوع. كل هذا لأني كنت أتحدث إلى إحدى قنوات التلفزة الفرنسية، وسط شارع محتشد بالمتظاهرين؛ وكنت أحلل طبيعة هذا النظام الفاشي وطرق نشاط عملائه في أوربا، وكيف يستخدم الإسلام والقضية الفلسطينية كذبا وزورا، موضحا ومحتجا على وجود صور للطاغية يحيط وجهه القبيح علمه الذي خط عليه كلمة الله وأكبر ليخدع بها وللأسف الشديد قسما كبيرا من الجهلة والمسلمين العرب والأجانب. لقد نظمت هذه المسيرة المحتشدة أساسا ضد الحرب ومن أجل السلام، وليس لمناصرة سياسة الطاغية في العراق. وهذا ما كانت تريد تبيانه بعض الأحزاب اليسارية واليمينية المتطرفة في فرنسا، والتي لم تحتج على هذا النظام في الماضي، ولم أرى يوما مظاهرات مماثلة ضده، بالرغم من القبور الجماعية التي كان يحفرها صدام وعصابته لأبناء الشعب العراقي، والتي راح ضحيتها أكثر من مليون ونصف المليون ألف شهيد وضحية.

 

 

 وحين سقط تمثال صدام في يوم 9/4/2003 وضرب بالنعال العراقي، وهذا فعلا ما يستحقه. فالغريب في الأمر أني لم أشعر بالفرح. زوجتي الفرنسية كانت تسيل دموعها من الفرح وهي تبتسم. أما أنا فكنت مشدوها، وضلعي لم يشفى وفمي المدمي لم ينشف بعد من جروحه. وكنت أشعر بالغبن بصفتي ضحية، لأن فرحتي قد سرقها الأمريكان، كما كان قد سرقها من قبلهم الجزار صدام. نعم هذا ما شعرت به في تلك اللحظات. ربما يعود سبب ذلك الشعور، إلى التفكير، وكأنني لم أساهم في كسر زنزانات وسجون الشعب الذي ناضلت من أجل حقوقه الوطنية. وأن ثلاثين عاما من المنفى لم تسنح لي فرصة اقتلاع جذور سجاني بنفسي. فلماذا إذن الفرح والعراق الذي ناضلت من أجل تخليصه من براثين وعبودية الدكتاتوري التي قد قامت بتقديمه مجانيا هذه الدكتاتورية نفسها لقمة سهلة إلى الأجنبي المحتل ؟ وبعد مرور أشهر، وحين شاهدت جلادي وجلاد شعبي وهو مكبل ومهان ويقاد مثل أي حرامي ومغتصب إلى زنزانته وبؤس المصير. قلت مع نفسي حان وقت التسامح والتعايش والمصالحة الوطنية بين العراقيين، وحان زمن المسيرة الديمقراطية والحرية والتطور الاجتماعي والحضاري إلى بلد واد الرافدين العريق. وحان جمع شمل الجهود الخيرة ومن جميع أطياف الشعب العراقي وأقصد كل من لم يؤذ أولم يتسبب بإيذاء أبناء طينته من العراقيين باسم الدكتاتور، لكي نتمكن جميعا بالمساهمة الشريفة النبيلة في إخراج الأجنبي المحتل وبالطرق الحضارية، ولكي نتعايش سوية مثل عائلة كبيرة في منزل واحد هو الوطن.

 

س : وكيف تنظر إلى الدستور المؤقت أو قانون إدارة الدولة المؤقت ؟

 

─ قبل الإجابة على سؤالك أود توضيح ما يلي : علينا أن نعي بأن هناك هزيمة تاريخية هوة مثل الفأس على يافوخ هذا البلد وعلى قلب حضارته بسبب الدكتاتورية. مما دفع بمناصرين وبمن سمنتهم هذه الدكتاتورية وببعض المجاميع من ناس هذا الوطن، في التحول في ليلة وضحاها من كائنات مذعورة، خانعة لا تعرف غير الصلاة والدعاء لمغتصبها بطول العمر وبتقبيل كمامات قمصانه القذرة طلبا للرحمة علنا، وبالتوسل سرا إلى رب العالمين لكي يتدخل لإنقاذهم من الذي أغتصب محرماتهم وأعراضهم. أقول تحولوا ودون شعور بالذنب إلى كائنات تريد حرق الأخضر باليابس والتهام بعضها البعض مثل الحيوانات التي لا تتمكن من معرفة طريقها إلا بالعصا. فأصبح الابتلاء بلاءين، فلا الذين حكموا من قبل هذا البلد بالأسلحة الكيماوية السامة، والأنفال والمقابر الجماعية واغتصاب أعراض الأمهات والأخوات وتدمير كل ما هو حيوي في البلد فعلوا شيئا غير الخراب، ولا الذين هربوا معوقين ونصف أجسادهم مشوهة ودامية ليعودوا اليوم مدججين بالتجارب الحضارية الأخرى وبثقافات وبلغات أخرى وبصحة ممتازة يستطيعون أن يفعلون شيئا. ونجد الجميع منشغلا بنبش ذكرياته وأفكاره ودفاتره لإعادة صياغتها وما يتناسب مع رغبات بعض الجهلة والأميين ممن يحيطون بهم. أن ما يخزي البشرية، ويعتبر شتما وكفرا بحق الضحية العراقية، حتى البعثية منها، هو حينما تتحول المبادئ إلى مهنة يراد من خلالها كسب وسام شرف، أو بتعويض معنوي منصبي إن لم يكن مادي.

أريد أن أذكر، أن كل من كان يناضل ضد جلادي الطاغي في داخل الوطن أو خارجه، وكان يتصور أن مناهضته للدكتاتورية ستعود عليه يوما بالربح الوفير أو في الأقل ستجعله يفوز بعد الإطاحة بهذه الدكتاتورية بقطعة أرض وراتب شهري، والوقوف قياما له في محافل المجتمع المبتلي أصلا بالاحتلال والقتلة، فهو يسيء إلى سمعته قبل أن يسيء إلى شرف النضال من أجل الحق. وأقول: أن على هؤلاء التروي والعدول عن هذه الأفكار [الخردة]. فربما يوجد وسام خاص لنضالهم. ولكن لا يوجد ثمن تعويضي إلى من دافع ويدافع من أجل إرساء كلمة الحق والحرية. وألا فهذا يعني أن القيم الإنسانية ومقدساتها أصبحت لا تستحق الاحترام، وهذه هي طامة عظيمة ستواجه العقل العراقي في تربية أجياله القادمة في هذا البلد على تقديس التضحية من أجل الوطن دون مقابل. وليعلموا بأن مناهضتهم للسفاحين السابقين في بلد واد الرافدين كان أيضا من أجل كرامتهم وأديانهم ومبادئهم [هم] قبل أن يكون من أجل كرامة المضطهدين والجياع ومن قيد مجبرا إلى أفران الحروب. دعوني أتسأل: من هو اليوم أكثر شرفا من الآخر ؟ هل هو من كان يلحس مؤخرة الطاغي، ويسبح بفضائله الإجرامية، أم من ذاق بسبب نضاله ومناهضته للطاغية وفاشيته مرارة السجون والمنافي والغربة ؟ وقبل شفط حقوق الأربع ملايين منفي عراقي، والتعالي على ألاف تلك الأرواح التي دفنت حية، تحتضنهم اليوم أتربة الوطن في مئات من المقابر الجماعية. وقبل جرد السيف من غمده والتهديد بمذابح جديدة، ولكن هذه المرة مموهة بتسميات وتحت شعارات لا تشبع البطون الجائعة ولا تعمر البلد الذي هدم وقيد شعبه إلى مجازر دامت ثلاثين عاما بالتمام والكمال ؟ أقول أن من يريد اليوم وضع يده على حقوق الأبرياء ومن كل الأجناس والأطياف والأديان والأفكار في بلد واد الرافدين، وهو يحصن نفسه كما كان يفعل للأسف جلادنا بطل الأمة المخزي وصاحب القادسيات الخائبات، صاحب اللامروءة، الذي كان يستخدم الدين كذبا وافتراءا ويستخدمه كي يقطع رقاب الناس وشن الحروب تحت ذرائع كانت كاذبة على لسانه مثل "حماية مبادئ الأمة العربية الإسلامية" والتي راح ضحيتها ملايين الأرواح البريئة ؟

أن المنفي ومن أهدى عز شبابه فدية إلى هذا الوطن المحتل اليوم وذالك الجندي المجهول العراقي الذي ضحى بالغالي والنفيس من أجل هذا البلد وأجياله، والتي ذاقت مرارة جهل الآباء قبل مرارة سيطرة الأجنبي الإمبريالي على خياراته، هو نفسه المغيب اليوم بقصد أو بغيره، وبحجج شتى تجعلنا نحن الذين قضينا 30 عاما في المنفى أن نشق "الزيج" ونركض مثل جداتنا نلطم ونلطخ وجوهنا بالطين والدموع ! بعد هذه التوضيحات المهمة بالنسبة لي سأجيب على سؤالك فيما يخص الدستور المؤقت...

النص باللون الأصفر لم تنشره الجريدة !

 

─ أنا أضم صوتي مع الأغلبية الصامتة وأقول: نحن نريد دستورا يحترم الرأي الأخر، نريد برلمانا ورجال سياسة يحبون الشعب ويحترمون آدميته... نريد رجال قانون وقضاة شرفاء... نحن نريد احتراما لأخواتنا وزوجاتنا وبناتنا، نريد لهن كل الخير والحرية بأدق معانيها ومعالمها المعاصرة الحديثة، بعيدا عن سيطرة الزوج ـ الرجل ـ الأخ ـ الشرطي... نريد حياة حرة للأطفال، نريد لهم المدارس والخبز... نريد مطابع وكتبا... نريد العلم والتطور الحضاري... نريد جامعات ومعاهد لكي يلحق أبناء العراق بشعوب الدول المتحضرة... نريد الشعر والأدب والمسرح والموسيقى في بلد هو أصل الكتابة والفلسفات التي إنارة طريق البشرية وحضاراتها المتنوعة... نريد وطنا يحترم كافة المعتقدات الدنيوية والسماوية... نريد المعامل والعمل... نريد المستشفيات والأجهزة الحديثة، الدواء والعلاج للجميع... نريد أرضا خيرة تشبع الجميع... نريد السفر بحرية، نريد انتماء وجنسية في وطن يحترم كل الأديان والطوائف والقوميات... نريد جمعيات وروابط ونقابات مهنية... نريد شعب تحترمه الشعوب... نريد وحدة الوطن... نريد العيش بكرامة... نريد قوانين تشريعية متحضرة وديمقراطية... نريد شعبا متسامحا وعطوفا فيما بينه، يحترم الضعيف، شعبا مسالما ويحب الخير للبشرية... لا نريد العنف وتصفية الحسابات بهمجية... لا نريد العودة إلى العصور المتخلفة... نريد الحق والقانون... لا نريد الدكتاتورية وبأي تسمية كانت ومن أي يكون... نريد دولة تحترم الأديان والبشر وليس أديانا لا تحترم الدولة ولا البشر... نعم نريد الشمس والحياة الكريمة للجميع...

 

س : هل من إضافة أخرى تود أن تقولها ؟

 

─ أتمنى أن نشيد مقبرة كبيرة نسميها [مدينة صدام، Saddam cité] وتحتوي هذه المدينة على كافة تماثيله المهشمة والغير مهشمة وصوره وملابسه ومؤلفاته القومانية الخزعبلاتية. وأن تشيد قبور رمزية تبنى من الكونكريت على مد البصر تحمل أسماء وأعمار ضحاياه وضحايا حروبه الطائشة، كي لا تنسى أجيالنا القادمة ما حدث فعلا من مجازر بحق الناس في هذه البقعة من الأرض. علينا اليوم وبعد زوال هذا الكابوس أو جزء كبير منه، أن نفتح بلدنا مثل نافذة تطل على العالم لكي يتمكن الجميع من رؤية معالمه وآفاقه وتاريخه العظيم. وأن نرفض قطعا أن يتاجر رجال السياسة ومن الفئات والأجناس والأديان العراقية والعربية والأجنبية كلها بأحلامنا وكأنها سلع مزورة. وأن نترك جانبا سياسة التفكير محل الآخر. وأن لا يفرض حلم أحدنا أو حلم مجموعة سياسية على حلم الفرد، وطموحاته بالعيش بكرامة. وأن لا تبدل أحلام الناس في حياتها الطبيعية واليومية بأحلام بلاستيكية وتنكية، قومانية، دينية أو علمانية، سماوية كانت أم دنيوية. وأن تكون حياة الإنسان ورفاهيته أكثر قيمة من المقدسات [جميع المقدسات]. وأن يكون الدفاع عن أرواح الناس وسعادتهم وسعادة أطفالهم قبل الدفاع عن التراب والأحجار والصخور والبنايات والطين والأفكار والفلسفات. وأن تكون الديمقراطية وحرية الفرد العراقي جزء لا يتجزأ من خبزته.

 

صلاح الحمداني

بغداد يوم 2 نيسان 2004

في نهار ما

سأهب عليكم مثل زخة مطر

لا تبخلوا بفتح النافذة

فأنا أسراب من القبرات

تحط على سطح الدار

وفي عز الضحى

سأقص عليكم مآسي المنفى

ومن ثم آكل أجنحتي

لكي لا أطير

 

صلاح الحمداني

 [ النهار الأول من مجموعة أقصى النهارات]

 

الجريدة تحاور الشاعر العراقي صلاح الحمداني

بغداد 5 نيسان 2004

سراب العودة إلى بغداد

حوار مع صلاح الحمداني

صلاح الحمداني ـ من دفتر عراقي في المنفى 

Le destin ressemble à ces nuits entières

oubliées dans l’encrier... Salah Al Hamdani

ــ موقع الشاعر صلاح الحمداني ــ