يوزع صلاح الحمداني وقته بين الشعر والمسرح والسينما. غادر بغداد إلى باريس منذ عشرين عاما. تجاربه في العاصمة الفرنسية جعلته يكتب بلغتها لكنه ما زال يعيش طفولته الشقية.

للحمداني خمس مجموعات شعرية أخرها في عنوان «فوق الطاولة ثمة سماء» بالفرنسية. سبق له وأن جال في أوربا مع فرقة "الحكواتي" وشارك في مسرحية «كفرشما».

 

حول تجربته الشعرية كان هذا الحوار :

 

■ الشاعر في قصيدته، وشخصه في سجله، ما المحطات الأولى في حياته؟

 

● ولدت في يوم عادي جدا من أحد أيام بغداد في الأول من تموز [يوليو] عام 1951، أتسمت طفولتي بمشاهد راسخة في الذاكرة، ترعرعت وكبرت في محلات شعبية جدا وفقيرة، كنت ألعب وأمرح وأبكي كثيرا، والتهم الثلج. كان الصراخ والعويل يملأ الأزقة في ذلك الوقت، الدشداشات المقلمة والملونة، وبين الحين والآخر بعض من الضحكات تخترق آذان الطفولة والشوارع والأرصفة المغطاة بالخريف وقيظ الظهيرات والصفعات.

كنت أصطاد العصافير المسكينة وأشويها مع أولاد المحلة، وأطارد القطط فوق السطوح، وأفرح مبتهجا عندما يهبط المطر، ويزداد فرحي عند هطول البرد. عملت وقتها ندافا، وصانع حلاقة، ثم نجارا وبائع لبن، في مهن أخرى ولم أتجاوز بعد سنواتي العشر. وما زالت تراودني ذكريات المدرسة المسائية للبنين: الرحلات، وفراش المدرسة الطيب، ومدرس العربية الذي كان شقيا وملاكما.

نعم، أتذكر، كيف كان يعلمنا بدل درس العربية الفصحى درس الضربات المستقيمة واللكمات القاتلة وهو ينظر من حين إلى آخر من شباك الصف المحطم الزجاج خوفا من مجيء المفتش الذي كان والده قصابا وشقيا هو الآخر، أحد السفلة الذين لن أنساهم. وكذلك لا أنسى مراجيح الأعياد وامتطاء الحمير وخطف ["الرارنجي" الليمون الحامض] من مستشفى الجمهورية، وبيع القناني الفارغة للمرضى التعساء.

كنت جنديا، ولاعب كرة، أحب العراك كثيرا والمرح مع الأصدقاء، واصحوا مبكرا من أجل الانضمام إلى طوابير الناس البسطاء لشراء الخبز الرخيص [خبز أبو أربعة فلوس] كان ثمة ناس طيبون يبيعون الماء البارد في أيام القيظ حينها. أنا الذي كنت أستمع إلى أم كلثوم طوال النهار وأعد أعمدة الأرصفة، وأشارك دائما بسكب الماء الحار على الجرذان في الأسواق الشعبية، وإلى الآن لا أعرف عمر المراهقة، ولم أغازل الفتيات على الكورنيشات، كنت أخرج في جميع المظاهرات تقريبا، أصفق، وأضحك، وأحلم بالحرية.

أشرب الشاي كثيرا مع رفاق الحزن، أدخن الكتب في أوقات متأخرة من الليل واكتب قصائد عن اللعنة والتشرد. لا أعشق في الحزن إلا الكلمة، ولا أحب في الليل إلا العزلة. أحب أمي كثيرا، وسهرات ليالي بغداد. أكره المنافقين، ولكني أعشق أكاذيب الفقراء... أكره شعراء الخضروات والأزهار والسياسة، وشعراء المناسبات والمقلدين أيضا...

 

خمس مجموعات

 

■ ماذا قدمت باريس لصلاح القادم من العراق ؟ وماذا وفر لك المنفى ؟ وكيف تطورت تجربتك في ميدان الشعر والأدب والمسرح في مجتمع أوربي ؟

● قدمت ليّ باريس أشياء كثيرة، سياسية، وثقافية بوجه خاص، ومفهوما بسيطا ولكنه مهم عن الديمقراطية، لم لا، طالما أن باريس أتاحت ليّ معرفة الكثير من الشباب من مختلف الجنسيات، ومن جميع الانتماءات السياسية، أنها ملتقى وتقاطع كافة الفنون، ففيها توالدت مدارس فكرية وأخرى احتضرت وماتت، باريس وفرت ليّ فرصة ثمينة وعلمتني الكثير. ومثل أبناء جيلي كنت أكره الشروط ففي باريس وجدت فرصتي في الابتكار. كتبت خمس مجموعات شعرية وترجمت إلى الفرنسية بمساهمة شعراء فرنسيين ومثقفين عرب ونشرت في دور نشر فرنسية. وأتاحت ليّ باريس اعتلاء المسرح الوطني وهو أحد المسارح الكبيرة في العالم، وكذلك المشاركة في التمثيل بأفلام سينمائية ومعرفة التقنيات الخاصة بها عن كثب. والشيء الأكثر أهمية الذي قدمه ليّ المنفى هو الحنين.

 

■ تكتب باللغة الفرنسية، وما زالت صورتك الشعرية تعود بك بعيدا إلى عوالم وذكريات خارج حدود هذه اللغة، كيف تفسر هذا ؟

● أنا لا أترجم القصائد تقليديا ولكني أعيد كتابتها وإبداعها من جديد بلغة أخرى. وهذا يعني بالضرورة تداخل الأزمنة والفصول والأفعال وتستفحل الجراح وتتكالب الذكريات. الدموع غيوم عجاف، وبركة المطر تتحول إلى طوفان والطوفان يتمرى في حبي وهو يمتطي حيوانا غريبا ومن ثم يأتي ساعي البريد يسعل صباحات متورمة ثم يسحب الفجر بعناء يضعه في ظرف ويمضي. ولعد كل هذا يأتي الحذف والتنقيح.

 

■ أين أنت من شعراء جيلك ؟

● لا أدري ولا أعرف من هم شعراء جيلي، أقول لك بصراحة لا يهمني كثيرا من يكونوا. لا أريد أن ادخل في ثقب إبرة وأشد نفسي في خيطها ولا أريد أيضا أن ارسي تجربتي ورأسي داخل محبرة وأنتظر لكي يمتصني قلم ما في يوم ما.

 

 

■ كيف تتعامل مع اللغة العربية ؟ وما تأثيرات السريالية على قصائدك ؟

● هناك شعراء يكتبون لغة، وشعراء يبدعون صورة، أعني أن هناك شعراء يكتبون قصيدة لغوية وشعراء يخلقون قصيدة صورية. واللغة مرات تكون تلقائية وحتى تافهة لأنها لا تتمكن من رسم المشاعر والمعاناة الخفية لذات وكينونة الشاعر الذي يستخدمها. قد يقول قائل، لا، أن النقص في الشاعر وليس في اللغة، أنا أقول لم لا ؟ ولكن ولمرات كثيرة العكس هو الصحيح. لأن اللغة تصاغ بقواعد وكلما تتعمق فيها تجدك متورطا مكبلا بمغازيها كلغة لا أكثر. من هنا أشعر أني قريب من السريالية على أساس إنها جاءت بثورة على التقاليد والمفاهيم الاجتماعية. كذلك هي ثورة على التكلس اللغوي لأنها ترتب الحدث النفسي أو التاريخي وتبدعه ولكن بمنظار صوري. ولهذا فهي قريبة جدا من الصورة السينمائية أو الفكرة المسرحية. لست سرياليا ولست لغويا، لأنني لا أنظر إلى العاصفة من وراء زجاج صالون بل أجد نفسي في وسطها.

الحياة 16 ثقافة وفنون / السبت 10 آب [أغسطس] 1991 العدد 10413

لندن ـ من فيصل عبد الله :

بين الشعر والمسرح والسينما

صلاح الحمداني : أكره شعراء الخضروات والأزهار والسياسة

صحيفة الحياة / 1991 لندن

تنويــه:

نشر هذا المقال قبل سقوط الطاغية صدام

وقبل أن يمسخ حزب البعث العربي الفاشي ويتحول إلى "داعش"

صلاح الحمداني ـ من دفتر عراقي في المنفى 

Le destin ressemble à ces nuits entières

oubliées dans l’encrier... Salah Al Hamdani

ــ موقع الشاعر صلاح الحمداني ــ