top of page

تنويه:

هذه المقالة نشرت قبل سقوط الدكتاتورية في العراق !

غلاف : ما تبقى من الضوء

غلاف مجلة : الثقافة الجديدة، عام 2000

ديوان شعري جديد بالفرنسية لصلاح الحمداني

صدر عام 1999 في باريس عن دار نشر هارمتان

مقالة نشرت في مجلة الثقافة الجديدة
رقم 295 ، تموز ـ آب عام 2000

الكاتب الصحفي : حسين كركوش

ما تبقى من الضوء / لصلاح الحمداني

 

          يقول الشاعر محمد سعيد الصكَار في مقدمته لديوان صلاح الحمداني

(أقصى النهارات) الصادر عن دار المدى عام 1996 بأن الحمداني "لم يجد حرجاً في التصريح لي ذات يوم، بأنه لا يعرف الشعر كما نعرفه، ولا يمارسه كما نمارسه، وليس لديه من عُدة الشعراء، إلا هذا الاحتراق والحساسية والهوس المجنون بمُثل عليا وقيم أخلاقية وأحلام بإصلاح خراب العالم كله"

 

وهل يحتاج الإنسان حتى يصبح شاعراً لغير هذه العُدة : الاحتراق والحساسية والهوس المجنون !

 

تلك الحساسية هي التي صّيرت منعم فرات فناناً.

وذلك الاحتراق هو الذي حّول فدعة إلى شاعرة زمانها.

وذلك الهوس المجنون هو الذي جعل الحاج زاير الدويج يبدع كما الشعراء الكبار.

 

أعزلا إلا من حساسيته واحتراقه وهوسه وجنونه، حط صلاح الحمداني رحاله في باريس قبل ربع قرن. ودون أن يتكأ على عصا العلاقات الأدبية، لأنه لا يملكها، ودون أن يسير تحت مظلة النقاد لأنه لم يستجديهم، الحق ربما لا يعرف عناوينهم، بدأ الحمداني مسيرته الفنية عارياً لا يستظل إلا بمظلة الفن التي استحوذ عليها عنوةً في عز الضحى.

كانت مغامرته الأولى، المغامرة بمعناها الحقيقي والفني، على خشبة مسرح شايو في باريس عام 1979 ليجسد دور أنكيدو في مسرحية كَلكَامش بأشراف المخرج الأرجنتيني فكتور غارسيا. وكان ذلك إنجازاً يقدره من يعرف أهمية هذا المسرح الباريسي؛ وكانت تلك خطوة أفادت صلاح وقادته بعد ذلك للسينما. ومن العمل السينمائي يبدو أن الحمداني تعلم أهمية اللقطة المكثفة والصورة المرئية. وعندما أوقعه الشعر في غرامه أفتتن الحمداني أول ما أفتتن بالصورة الشعرية فراح يسير، بوعي أو بدونه، بمعرفة أو بالغريزة أو بالفطرة، على هدى مقولة مالارميه : القصيدة لا تصنعها الأفكار وإنما المفردات. وبذات الهوس المجنون بدأ الحمداني يشكل صوره؛ ينتقي مفردة ثم أخرى ويضع هذه مع تلك فإذا بنا أمام لوحة شعرية لا تمت بصلة لأصل المفردات التي نحتت منها. هذه نماذج : "فنار واقف في سوق. حنين مسلول. نهار يعوي. عناكب تجهل طقوس الشفاه." هل يوجد كثير من الأفكار تريد إيصالها هذه الصور ؟ ربما القليل.

هل توجد متعة بهذه الصور ؟ ربما الكثير. ألا نتسلى ونحن نشاهد فناراً في السوق يستمع لعواء النهار !

والقافية والعروض الشعري ؟ القافية هدمها الرواد الأوائل والذين جاءوا بعدهم تكفلوا بالعروض فألغوه ، فبدت، مع الأسف، كتابة القصيدة سهلة، ليس لصلاح الحمداني وحده وإنما لمعظم أبناء جيله الذين ينشرون قصائدهم الآن في الصحف أو في دواوين يختارون لها دوراً للنشر من عندهم.

والنحو والبلاغة وجزالة اللفظ ؟ هذه أصول أستصعبها، مع الأسف، ليس الحمداني وحده أيضاً إنما الكثير من زملاءه الذين يكتبون الشعر اليوم، وهذه في واقع الأمر ليست مغامرة إنما هي أشبه بإصبع الديناميت الذي يهدم القصيدة ويحولها إلى هباء إذا لم يتم الانتباه إليه.

وسجية صلاح الحمداني وخصلته الفنية والأخلاقية التي قد يختلف فيها عن زملاءه الآخرين هي، أنه لاّ يختلق لنفسه مبررات لإزدراءه النحو، باسم الحداثة أو التمرد أو التجديد مثلاً، كما يفعل البعض مبررين بذلك كسلهم أو جهلهم. صلاح يعترف بفروسية تليق به، أن ضنك العيش وقسوة الحياة أبعداه عن المنهل الأكاديمي للمعرفة. وهذا صحيح. لكن الصحيح أيضاً أن فظاظة الحياة لم تبعد صلاح من الإقبال على المعرفة والاحتفال بها. وعندي لو أن الحمداني نشأ وترعرع في النجف الأشرف، مثلاً، لنفى نفسه في مجالسها الأدبية وحلقاتها الشعرية ناهلاً من ابن الرومي والبحتري وأبي نؤاس ومن الفراهيدي. وما أقوله هنا ليس إنشاءً؛ فقد استطاع صلاح الحمداني أن يحّول المنفى بكل ما فيه من متاعب، إلى مصدر إثراء معرفي، واستطاع، هو الذي وصل فرنسا في عمر متأخر، أن يعتلي صهوة حصان لغة مولير ويكتب بها شعراً، مثلما يفعل أبنائها الذين رضعوها في المهد. وأخر كتاب أنجزه الحمداني هو ديوان شعري كتبه مباشرة باللغة الفرنسية بعنوان "ما تبقى من الضوء" عن دار هارمتان للنشر. ودفقة الضوء المتبقية هذه التي ضمتها صفحات الديوان، تكفي لإنارة عتمة القلب في المنفى الذي وجد صلاح نفسه فيه ومع خلق كثيرين من العراقيين المنفيين، دون رغبة منهم.

 

يقول صلاح في إحدى قصائد هذا الديوان : " لا ذنب لي في أصل هذا الصمت، ولا في هذه المدينة التي تغلق أبوابها متأخرة، تغلق أبواباً متأخرة جداً على روحي". وفي صمت المنفى القاتل يتنازل الحمداني عن كل شيء إلا عن الضوء، ضوء العقل والروح وضوء التواصل الإنساني مع الآخرين : "في عينيك يجلس إله يحيّيني" هذا الإله، أو هذا الضوء هو الذي يبدد عتمة الروح ويغني الحياة ويهدم الهاوية التي تتربص لابتلاع الغريب الجالس "بين الحيطان العالية وسكينتها" الذي يردد إذا ما خذلته القصيدة : "وحيداً أنام. وحيداً أستيقظ. ووحيداً أموت."

 

ولعل هذه القصيدة التي نترجم بعضاً من أبياتها تكفي لتصوير الألم الذي تطفح به صفحات الديوان :

"استدلت الستارة على الليالي. ما من نهار يزورني في حاضري، حتى ولا نقرة دف. ملبياً نداء الريح، غسلت يدي. قولي أيتها الريح : أين أعثر على طفولتي ؟"

هل تجيب الريح، أم أن صرخة صلاح الحمداني ستصبح صرخة تذروها الريح !

 

حسين كركوش

bottom of page