رأي : صلاح الحمداني

قبل الإجابة على أسئلتكم أود أن أسألكم بدوري: ماذا تقصدون بالمثقف؟ فإذا كان قصدكم بالمثقف هو المبدع الذي يمارس مهنة لها علاقة بالذهن والفكر والتصور، فأن مسؤولية هذا المثقف كبيرة ـ سأتحدث هنا عن المثقف المبدع المتعلم، وكذلك عن المثقف اللامبدع.

 

[1]

سأعيد هنا كلاماً قلته يوماً: «إن على الكاتب، الفنان وعلى الشاعر بالذات، أن لا يدوّن أحداث التاريخ فقط، بل عليه أن يبدع لكي يفضح ما فعلته هذه الأحداث بنا...» إن مجتمعات بلا مفكرين، بلا فنانين وبلا كتاب وشعراء أحرار، يتصدّون ويتفاعلون مع الأحداث التي تمسّ كيان شعوبهم هي مجتمعات بلا قيم ولا أعراف إنسانية، مجتمعات بلا هوية ثقافية. وهذا ما أراد فعله صدام بمجتمعنا العراقي، بدءاً بالاغتيالات، وإجبار الأدباء والمبدعين والمثقفين العراقيين على المنفى، واختلاق الحروب وذبح الشعب، منذ 30 عاماً. مما ترك وسيترك مرضاً لا يعرف المثقف العراقي المبدع معالجته الآن، ولكنه يعرف بالأسماء والتواريخ أسبابه ومسببيه.

 

[2]

قليل من المثقفين العراقيين يعمل وينشط في منظمات سياسية ونقابية وإنسانية في البلدان التي يعيش فيها. وربما هذا هو أحد الأسباب التي أبعدتهم عن متابعة وفهم ملابسات الأحداث وتحولاتها في تلك البلدان، وكذلك تحولات الأحداث التي تدور داخل الكيان العراقي وما يدور حول العراق في العالم؟ هذا السبب وما ينتج عنه حوّل هذا المثقف العراقي إلى أناني بكل شيء حتى في المأساة والحداد. فهو يصوّر للأوربيين بأن حالته استثنائية ونادرة لو قورنت بباقي حالات العراقيين الأخرى. وأن لدموعه لوناً خاصاً. وأنه سيبقى ينتحب على سوء حظ حاله لأنه ولد في بلد مثل العراق. ولكن رغم ذلك، تراه يتحسّر على فراق وطنه القسري، كونه منفياً ومطارداً من قبل فاشية صدام. وغالباً ما يكون هذا المثقف مطالباً لمساعدة أحادية الجانب. فهو يطالب ناس بلد اللجوء ومؤسساته بالتضامن مع حالته، ولكنه بالمقابل لا يتضامن مع حالات متشابهة لوضعه… فإذا كان المثقف العراقي المنفي لا يهتم بحياة المنفي الفلسطيني، الأفريقي، الجزائري، الأفغاني والإيراني وحتى العراقي أبن جلدته، ولا يهتم بنضالات الشعوب ومكاسبها، في الأقل تلك التي تؤويه وتطعمه وتعطيه فرص الإبداع والسكن وتحميه من فاشية صدام، وتمنحه الجنسية وحق التصويت، وحتى تغيير اسمه إذا رغب، وتربي أطفاله وتعلمهم للمستقبل. فكيف نتمكن بعد ذلك من أدراجه في قائمة حاملي القيم الإنسانية والأخلاقية الشاملة؟ وما هي الأسس التي تجعلنا ننظر إليه كفنّانً يخلق الحدث وليس لاهثاَ وراءه؟ وما هي الدوافع التي تجعلنا نقيّمه كفنان وليس كطالب مساعدات إنسانية مسكين الحال وبائس؟ أن الخراب الأخلاقي الذي ألحقته فاشية صدام في بنية المجتمع العراقي في الداخل فادحة حقاَ، ونجد انعكاساتها السلبية على فئات من المنفيين الجدد اليوم الذين ليس لهم هم غير التحايل لكسب المزيد من الدولارات، كذلك نجدها في الاستعراضات «الرجولية» لبعض المثقفين العراقيين الذين يطالبون بشن الحرب على شعبهم ووطنهم... فالفرق بين جثث صدام وجثث بوش يبدو لهم في أن هذه الأخيرة ستمكننا من العودة إلى العراق... وكأنهم بذلك على استعداد للتمشّي غداً بلا اكتراث أمام كفن عراقي لآلاف أو لملايين الأموات... من يدري؟ ماذا سنفعل لو دمرت أمريكا ما تبقى من العراق وأبقت على صدام ليتكرر ما حدث عام 1991؟. وماذا سيقال إذا لم يُنفّذ السيناريو الأمريكي، ولم

 

تقع الحرب ضد العراق ولم يحدث التغيير ولا هم يحزنون؟

متى كانت الحروب تجلب الديمقراطية؟ وما لون وطعم ديمقراطية الجنرالات؟ أن مشكلة بعض المثقفين العراقيين في المنفى أنهم يريدون كل شيء، مقابل لا شيء!

 

[3]

أصبح الحديث اليوم عن الوطنية، وحب أرض الوطن، ناهيك عن التطرق إلى مفاهيم بسيطة الاستيعاب مثل الشعب أو السيادة الخ... أشبه بمجازفة محرجة. صحيح أن النظام الدموي ساهم في استئصال هذه المفاهيم الأساسية ليس فقط من عقول الكثير من عراقيي الداخل، ولكن أيضاً من عقول الكثير من المنفيين العراقيين ومثقفيهم. فكل من يتحدث معهم عن: الوطن، الشعب، السيادة وحق الشعوب في تقرير مصيرها، والتصدي للمصالح الإمبريالية والاستعمارية الجديدة، هو، بنظرهم، كذّاب ومزيّف للواقع. هذه المفاهيم الوطنية أصبحت، بالنسبة لهم، تافهة ولا تنفع، مثل بضاعة مضى تاريخ استهلاكها وغدت الآن فاسدة... ومما زاد الطين بله، تلك المعارضة التي تعمل علناً مع القوى الأجنبية، وتروّج لأفكار ضرب العراق وغزوه كمفهوم وطني جديد يحول المغتصب الأجنبي /إلى منقذ للضحية المغتصبة! مما يجعل المثقفين والكتاب والشعراء [المتنورين] في رأس حربة هؤلاء السياسيين والعسكريين (خريجي مدارس صدام وأكاديمية البعث القمعية) الذين يخططون اليوم لضرب الشعب العراقي بحجة إنقاذه من نفس تلك المؤسسات القمعية التي كانوا يديرونها ويعملون فيها بالأمس القريب... صحيح أيضاً أن هؤلاء هم شلّة من المثقفين المتعبين الأنانيين وفاقدي الأمل، يخلطون بين معايير النضال ضد الدكتاتورية وبين نضالهم المستميت كمنفيين ولكن لمصالحهم الذاتية فقط. أن هؤلاء يتصرفون وكأنهم بلا وعي ولا يدرون ما يفعلون. ولكونهم لم يساهموا،لا بالفكر ولا بالعمل، لإنقاذ الوطن من محنته. تراهم مثل طالب المساعدة لا يعرف غير الانتظار والترقب. ولهذا يصبون اليوم جام غضبهم وبؤس حالهم على الشعب العراقي وعلى الأحزاب العراقية المناهضة للحرب. مثال: (خلي يموتون بعد أكثر، ليش هو صدام بقى شي) أو (يمعود يا حزب وطني يا بطيخ همه مو عملوا جبهة ويَّ البعث) أو (أن العراقيين لا ينتظرون غير القنابل للخلاص من صدام) أو (خلي يروح نص العراق بس خلي نخلص من صدام) أو (أن العراقيين يقبلون حتى لو جاء شارون) الخ... من يتفوه بهذه الكلمات ليس بائس الحال أو عراقياُ متشرداً أو سكيراً أو حشّاشاً، أو مجنوناً، بل هو شخص يعيش في أوربا وبحالة جيدة: إبداع، سكن، أملاك، مهنة، سفرات استجمام، مساعدات اجتماعية ومنح، وترف يضاهي أحيانا أبناء البلد الأوربي أنفسهم... أن هؤلاء يطالبون بمعاقبة الشعب العراقي على أساس أنه لم يثر ضد صدام ويغير النظام.(صدام يعاقب الشعب العراقي حينما يثور ضده) وهذا العقاب يتجلى (وهذا أضعف إيمانهم كما يقال) في التحالف مع أمريكا ضد صدام لأنه كان يوماً ما جلادهم، وضد الشعب العراقي لأنه يمثل المجموعة التي لم تتمكن من قلب نظام صدام. وبالتالي فهم يعبرون عن استيائهم من هذا الشعب ولا يريدون سماع من يعمل على التغيير بالاعتماد على طاقات الشعب الذاتية. فذلك يتطلب الالتزام ونكران الذات من أناس يغمضون عيونهم عن قمع واضطهاد وذبح الشعب العراقي، ولا يريدون التطرق إلى سياسة أمريكا والتدخل الأجنبي كما حدث في 1991، وأحداث الانتفاضة التي لم ينشف للآن دم ضحاياها وشهدائها الأمجاد.

 

وإذا لم تقع الحرب ولا التغيير المنشود، فربما، سيتحول هؤلاء إلى أعداء لكل ما هو وطني، ولكل من يعمل لكي يثور الشعب العراقي ويسقط صدام، رافضاً اعتماد الحرب المدمرة والغزو الأجنبي للتغيير السياسي في العراق.

 

[4]

كما ذكرت في بداية حديثي. فأن من الصعب التطرق إلى آفاق مستقبل واضح المعالم فيما يخص القضية العراقية. لكني أتصوّر أن التحرك السريع والتنسيق العملي يجب أن يتم بين المثقفين العراقيين والتجمعات والجمعيات والأحزاب العراقية المناهضة لصدام وللحرب كوسيلة لتغيره وبين التجمعات والأحزاب الأجنبية المناهضة للحرب والإمبريالية والغزو الأجنبي. وعلى المثقف العراقي الذي يهمه مصير شعبه بالدرجة الأولى أن يزجّ نفسه في ساحة الصراع والتعبير عن رأيه. وعلى الصحافة الوطنية العراقية أن تفسح مجالاً أوسع للمثقف العراقي الوطني المناهض للحرب وسياسة الموت، وعليها الأخذ بأفكاره والاهتمام بها ونشرها. ونحن على أبواب ذبح أبناء وطننا مرة أخرى على يدي صدام وبوش والتحالف الأوربي والعربي القادم. ندعو المثقف العراقي المناهض للحرب مدعو أن يجهد أكثر من ذي قبل في متابعة الأحداث، وأن يعطي الأذن الصاغية لما جرى وما سيجري في وطنه العراق، مدعو للخروج من حالة المتفرج على الأحداث، ليكون ليكون فاعلاً في تغييرها... أبعدوا الحرب... أبعدوا الحرب عن شعبنا والقوا صدام ومن معه إلى الجحيم.

على من يريد إعطاء دليل على أدميته أن يعلن رفضه للحرب قبل كل شيء. وللعراقي بشكل خاص أن يناهض الحرب، وصدام ويناهض الإمبريالية والغزو الأمريكيين لبلده، وبذلك فقط يعطي دليل أدميته!

صلاح الحمداني فرنسا 30/10/2002

 

منشورات الثقافة الجديدة لعام 2002

http://www.althakafaaljadeda.com/salah-hamdani.htm

مثقفون ومواقف

الأزمة العراقية

السلطة والحرب

  •  

  • تقديم

  • سعيا من «الثقافة الجديدة» لعكس جانب من النقاش الدائر حول الخيارات المطروحة للخروج من الأزمة السياسية في بلدنا، خاطبت عددا من المثقفين   العراقيين برسالة نصّها : «خطر حرب جديدة يداهم العراق. وملامح تغيّرات جذريّة تلوح في أفق بلدنا والمنطقة. هذه لحظة تاريخية ذات أبعاد معقّدة ودلالات عميقة. رغبة من «الثقافة الجديدة» في استطلاع آراء عدد من المثقفين العراقيين، تتوجه إليكم بالدعوة للإجابة على السؤالين الآتيين أولا، يذهب التعريف الدارج للمثقف إلى أنه من يدافع عن قيم إنسانيّة وأخلاقيّة شاملة دون أن يأبه لحساب توازنات القوى والمصالح، كيف يتجلى هذا التعريف في الحالة العراقية التي تلتبس فيها رؤى الثقافة مع مناورات أهل السياسة إزاء قضيتي السلطة والحرب ؟

  • ثانيا، ما هو الموقف المطلوب من المثقف حيال الأزمة العراقية المستعصية ؟».

صلاح الحمداني ـ من دفتر عراقي في المنفى 

Le destin ressemble à ces nuits entières

oubliées dans l’encrier... Salah Al Hamdani

ــ موقع الشاعر صلاح الحمداني ــ