حـــــوار وتقــديم : حـكـيـم مـالـك

صلاح الحمداني شاعر وكاتب وممثل ومخرج مسرحي عراقي كبير وفريد من نوعه حيث كان وما زال مناهضاً لدكتاتورية صدام حسين وحروبه، وهو ضد الحرب الأمريكية الإنكليزية على العراق، وضد الاحتلال. ولد في بغداد، محلة الفضل [العزة]، في الأول من جويية عام 1951 حيث قضى أربعة أعوام في الجيش العراقي 1969ـ 1973، ترك العراق لأسباب سياسية بعد أن أمضى أشهراً من شبابه في دهاليز المعتقلات وإسطبلات تعذيب المناهضين لنظام صدام حسين، وهو منفي ومقيم في فرنسا منذ عام 1975 وحتى اليوم، أي منذ  40 سنة، بدأ بكتابة الشعر في سجون الدكتاتورية وهو لم يتجاوز 20 عاماً، وله مشاركات عدة ومتنوعة بالآدب والفن، وأعمال شعرية وقصصية منشورة باللغة العربية وأخرى مكتوبة باللغة الفرنسية، أصدر أربعين كتاباً تنوعت بين الشعر والقصة والرواية، كان آخرها في القصة والسرد "وداعاً يا جلادي"، كتبه بالعربية ثم ترجمه إلى الفرنسية بمساعدة الشاعرة "إيزابيل لآني"، وفي الشعر باللغة الفرنسية "بغداد حبيبتي"، يتبعه "بغداد سماء مفتوحة"، وقد صدر الكتابان في طبعة جديدة سنة 2014، وللكاتب المبدع الحمداني أيضاً عدة أعمال مسرحية وأفلام شارك فيها كتابة وإخراجاً وتمثيلاً، وأعمال فنية تنشيطية على المسرح، لنصوص مسرحية وشعرية، والتي قدمها على شكل أمسيات ومسرح جيب ومسرح شارع، ولقاءات أدبية وفكرية ثقافية في أنحاء عدة من فرنسا والعالم.

 

قامت يومية "الوسط" بإجراء هذا الحوار مع الكاتب العراقي المتميز صلاح الحمداني الذي كشف لنا العديد من الأمور، وذلك خلال مشاركته في فعاليات الطبعة الثامنة للمهرجان الدولي للأدب وكتاب الشباب المقام برياض الفتح بالجزائر العاصمة.

 

بداية نرحب بك في الجزائر ؟

تعد هذه هي الزيارة الثانية لي إلى لجزائر، حيث كانت الزيارة الأولى سنة 2007، وذلك للمشاركة في الصالون الدولي للكتاب، وكانت رائعة، وأنا سعيد جداً بهذه الزيارة الثانية للجزائر للمشاركة في المهرجان الدولي الثامن للأدب وكتاب الشباب. حقيقة الأمر، تربطني علاقة فكرية ونوع من أنواع القرابة إن صح التعبير مع "ألبير كامو"، حيث زرنا يوم السبت مدينة أثرية في "تيبازة" عاش فيها "البيير كامو" وفيها كتب روايته المشهورة "الغريب". وأنا أتيت من العراق، بلد حضارات "بابل وسومر". والأثار، والصخر والتراب، هذه الأشياء لها علاقة وجدانية وجوهرية بيّ كعراقي، ولها كذلك علاقة بحضور الإنسان العراقي أو البابلي بشكل عام، وبالتالي فإن زيارتي لمدينة "تيبازة" أشعرتني بحضور وجداني وجسدي وكأنني أتفسح في مدينة أثرية في العراق وبالتالي عكست لي حجم الدمار المؤسف الذي يقوم به رعاع "الدواعش" اليوم بكل ما له علاقة بالحضارة البابلية والسومرية، وهذه تعد لي أشنع ما في الكون من جريمة، حيث تهدد بمسخ الإنسان وإلغاء آثاره وتاريخه، لكن رغم ذلك سيبقى للعراق تاريخه الثري والعرقي عبر الأزمنة.

 

حسب رأيك أين تكمن أهمية هذا المهرجان الدولي الثامن للأدب وكتاب الشباب ؟

يسعدني أني التقيت بكتاب جزائريين شباب يكتبون القصة القصيرة، حيث خصص لهم "مقهى أدبي". لكن أهم شيء هو طروحاتهم الفكرية وعلاقتها بمستقبل الثقافة العربية والجزائرية بالذات، فما سمعته منهم وبرغبتهم بتجاوز الأجداد، حقا أعجبني كثيراً، ويسعدني أن بعضهم يفكر بذلك وبشكل مدروس، كما فهمت. طالما أن فكرة تجاوز الأجداد موجودة في بعض العقول الشابة فهذا يعني أن الزهرة ستورق وستثمر، لتنتج ثقافة جزائرية بحتة مرتبطة بالكون ومتجاوزة الوطن العربي. عندما أقول الوطن العربي هو للتبسيط لأن لا وجود لوطن عربي، وإنما هناك وجود لشعوب عربية، ليس إلا.

 

حدثنا عن مأساة المنفى التي تعيشها وماذا عن زيارتك للعراق عام 2004 ؟

أنا مقيم في فرنسا منذ عام 1975، يعني صار ليّ 40 سنة وأنا منفي. عام 2004 زرت العراق، يعني بعد 30 عام من المنفى، وكانت هذه الزيارة لرؤية والدتي وأهلي، وبقيت فيها شهراً، وهي تمثل زيارتي الوحيدة واليتيمة حيث لم لأستطع أن أرجع بعدها إلى العراق، وذلك يتعلق بتغير الأمكنة والوضع السياسي آنذاك، ناهيك عن الاحتلال الامريكي ووجود البعثيين وبالتالي فإنسان مثلي كان يمكن أن يقتل من قبل الامريكيين أو الشيعة أو البعثيين أو السنة الخ. فراق دام أربعين سنة طويل جداً، حاليا أنا أعيش في باريس وأكتب فيها، وأتصور أنني سأدفن فيها، ولا حل آخر لي سوى البقاء في هذه المدينة.

 

ألا تحن إلى بلدك العراق ؟

بطبيعة الحال أحن إلى العراق، ولكن ليس موضوع الحنين ما يشغل بالي، وإنما موضوع الذاكرة، الذاكرة التي أفضلها على الحنين، لأن الحنين له علاقة في الرحلات والسفريات، وأنا لست مسافراً أو مدون رحلات، ما يهمني ربما الحنين إلى الأم وليس إلى مكانها، وأنا أتحدث عن الذاكرة وما تخلقه من علاقات حيوية ومصيرية بين الناس وأمكنتهم، وثقافتهم، الذاكرة قاسية في داخلي.

 

ماذا عن مرحلة سجنك ؟

كنت سجيناً سياسياً، وأنا قد ناضلت ضد الدكتاتورية في العراق وكنت ضد الحرب على العراق، وهناك خبطة عجيبة غريبة كأديب !

 

هل تبرز المنفى من خلال كتاباتك، وهل لك أن تحدثنا عن مؤلفاتك الأخيرة  ؟

أكيد أغلبية كتاباتي تصب في موضوع المنفى، الذي يلمح وجهي يعرف أنني منفي، وأبرز كتبي الحديثة الصادرة بين عامي 2014 و 2015 هي :

"إعادة بناء الأيام" وهو كتاب شعري كتبته باللغة الفرنسية، وكتاب "العودة إلى بغداد" و "وداعاً يا جلادي" وهما كتابين سردين كتبتهما باللغة العربية ومن بعد ترجمتهما إلى الفرنسية بمساعدة الشاعرة "إيزابيل لآني"، وصدر لي كتاب شعري "بغداد القدس على حافة الحريق" وهو كتاب شعري بثلاث لغات : العربية والعبرية والفرنسية، وهو كتاب مشترك بيني وبين الشاعر اليهودي العراقي "روني سوميك" المنفي هو كذلك والذي هجر قسرا إلى إسرائيل، حيث التقيت بـ"روني" صدفة في فرنسا عام 2012 واشتركت معه في هذا الكتاب. والأمر المعروف عن الشاعر اليهودي العراقي "روني سوميك" أنه يكتب عن بغداد وهو في إسرائيل وأنا أكتب عن بغداد في باريس، إذن، يعني هذا، أن الموضوع مشترك وواحد، وهذا بالنسبة لي شيء مهم لأن المنفي العراقي لا يختلف سواء كان في أوربا أو في إسرائيل أو في جهنم.

 

من هم الأدباء الجزائريين الذين تقرأ لهم، في الماضي والحاضر ؟

أنا جداً قريب من "كاتب ياسين"، وهو من الكتاب الكبار مسرحياً وأدبياً وروائياً، وكنت قد التقيته في فرنسا قبل وفاته، وقرأت كذلك للشاعر "محمد ديب" "والبيير كامو" و"يحيى بلعسكري" الذي يعد كاتباً جيداً ورائعاً في مواقفه الإنسانية وأنا معجب أيضاً بروايات الكاتب "عبد القادر جمعي" والذي أعده من كبار الكتاب الجزائريين الذين يكتبون باللغة الفرنسية، وله معرفة عميقة بتاريخ الجزائر وتاريخ فرنسا السياسي والفكري، وهو كاتب يتطرق بروايته ونصوصه إلى الجزائريين المهاجرين الذين يعيشون في عزلة، بعيدين عن أوطانهم وهو من الكتاب المؤثرين وهو أيضا صديق غالٍ.

 

ما قصتك مع دور النشر العربية ؟

أنا لا أنشر باللغة العربية إلا نادراً، وبشكل عام أغلبية دور النشر العربية [وليس كلها] لا تستحق ألاحترام لأنها دور نشر تجارية بحتة، لا تحترم الأدب ولا تملك في نهجها مشروعاً ثقافياً، دور نشر لصوصية لا تبحث عن القارئ بل عن الزبون. ولا تنشر لك بدون أن تدفع لها مبالغ كتابك. وأنا ضدهم وضد طريقة الابتزاز هذه، إنها مهزلة كبيرة بالنسبة للثقافة العربية عموماً وللأديب المبدع خصوصاً.

 

ما رأيك في "الربيع العربي" ككاتب ومثقف ؟

"الربيع العربي" تسمية فرنسية وهم من أطلقوها، ونشروها. وهي ليست تسمية عربية. أوروبا بشكل عام جاهزة دوما وحاضرة لأن تعطي وتطلق أسماء عديدة ومتنوعة لعدة ثورات وانتفاضات وحركات إذا كان في "الوطن العربي" أو أفريقيا، وبرأيي وبعد الأحداث التي جرت لا وجود لربيع عربي قطعاً، بل هناك "خراب عربي". فإذا كان الربيع العربي يدعي أنه جاء لتحرير المرأة والتخلص من التعصب الديني السلفي الوهابي والتخلص من الأنظمة القمعية والدكتاتورية فكل هذه الأمور لم تحدث، لكن الشيء البارز والفعلي الذي حدث هو التخلص من حقبة الأحزاب القومية ومن أبرز الأمثلة سقوط معمر القذافي، وبن علي وصدام حسين، وأن بداية شرارة ما يسمى "الربيع العربي" برأيي بدأت بسقوط وهزيمة حزب البعث في العراق ونهاية دكتاتورية صدام، وبعدها في تونس، واليوم كما ترى أخذ يوقفنا هذا الربيع العربي في دمشق على سبيل المثال، مع بشار الأسد الذي يعد أحد مجرمي العصر الحديث، وها نحن اليوم في مأزق كبير موزعين بين بشار والدواعش، كلاهما قتلة ومجرمون وفاشيون.

 

هل لك رأي "بداعش" وانتهاكاتها في العراق والوطن العربي ؟

"داعش" صناعة بعثية، "الدولة الإسلامية" من وجهة نظري بعثية، غالبية القيادات العسكرية "الداعشية" بعثية

وهي تركة صدام حسين ومخلفاته، ولا أعتقد أن لها علاقة بالدين، صحيح أن البعثيين من فدائيي صدام وحرسه الجمهوري لبسوا الزي الإسلامي ووضعوا اللحى وتحولوا خلال ليلة وضحاها إلى دولة إسلامية، أعمال النحر وتحطيم الأثار والاغتصابات بعثية صرفة وقد فعلوا ذلك أيام حكمهم وقبضتهم على رقبة الشعب العراقي لأكثر من خمسة وثلاثين عاماً، وهناك أدلة كثيرة على ذلك. ومن خلال أعمالهم اللاإنسانية يريدون أن يوهموا الناس بأن من يقوم بهذه الأعمال هم إسلاميون سلفيون ومعتوهون جاءوا من وراء الحدود لتدمير الحياة، وما على العراقيين، فيما إذا أراد التخلص من "داعش" والدولة الإسلامية إلا الموافقة على عودة حزب البعث وطاقمه القديم ليحكم العراق من جديد. فداعش من وجهة نظري ليس حركة دينية سلفية وهذا على الرغم من الإمدادات المالية والعسكرية السعودية الوهابية وقطر وتركيا لها لإيهام العالم، إن قلق وهلع دول الخليج السنية من قدوم الهلال الشيعي بالمنطقة جعلهم يتخبطون ودفعهم رعبهم إلى مساعدة "داعش" البعثية، وهم يعرفون ذلك جيداً.

 

كيف تنظر لواقع الثقافة العربية اليوم ؟

إذا لم يكن هناك مشاريع ثقافية ودور نشر حقيقية وليست مزيفة ووزارات ثقافية فلا وجود للثقافة ببعدها الإنساني. ونحن اليوم نتساءل أين هو المشروع الثقافي في الوطن العربي ؟ لا وجود لمشروع ثقافي في الوطن العربي وإلا كيف يدفع الكتاب مبالغ نشر كتبهم ومؤلفاتهم. وزارات الثقافة في الوطن العربي مؤسسات حكم وسلطة ولا علاقة لها بالناس، ومن يعمل فيها لا يتمتع بحرية الإبداع الفكري. دعوتي للمشاركة في هذا المهرجان جاءت من قبل الدولة الجزائرية وليس من قبل منظمة أهلية، أو جمعية فنية. على الدولة أن تساعد في بناء المشاريع الثقافية الأهلية الحرة، الشعب بحاجة إلى مؤسسات مدنية ثقافية تتبنى بذاتها إقامة المهرجانات، وعندما يتحقق هذا سنتمكن من الحديث عن الثقافة الحقيقية، حالياً نلاحظ أن لا وجود لهذه المؤسسات الثقافية، أو أنها قليلة الوجود، وعلى الدولة والسلطة أن توفر كافة الإمكانيات  لخلق جمعيات مدنية تعمل لصالح خدمة الطفل والمرأة والثقافة بشكل عام.

 

بماذا تتمثل طموحاتك ومشاريعك المستقبلية ؟

الاستمرار في مشروعي مع الكتابة، وبآرائي ومواقفي السياسية، كوني أعتقد جازماً أن أي بلد ليس له مشروع ثقافي للشباب هو بلد فاشل على المستوى القريب والبعيد، ولذلك جئت للمشاركة في هذا المهرجان الذي هدفه إيجاد مشروع ثقافي للكتاب الشباب وليس مشروعاً سياسياً بالضرورة.

 

كلمة أخيرة تقدمها لقرائك الأعزاء ؟

 

المنفي

 

في نهارٍ ما

سأهبُ عليكم مِثلَ زَخةَ مَطرٍ

فلا تَبخَلوا بِفتحِ النافذةِ

فأنا أسرابٌ مِنَ القُبراتِ

تَحطُ على سطحِ الدارِ

وفي عِزِ الضُحىَ

سأقصُ عَليكُمُ مَآسي المنفى

ومِن ثَمَ أكلُ أجنِحتي

لكي لا أطير.

 

صلاح الحمداني يمثل العراق "غير الرسمي" في المهرجان الدولي الثامن للأدب وكتاب الشباب، التي تدوم من 23 إلى 29 تموز 2015 في العاصمة الجزائر.

 الكاتب والشاعر والمخرج المسرحي العراقي صلاح الحمداني "للوسط"

"أنا معجب بصديقي المبدع كاتب ياسين ومتأثر بــ "ألبيير كامو"

الأدباء الجزائريون الشباب مبدعون وسينتجون ثقافة جزائرية بحتة للعالم

صلاح الحمداني ـ من دفتر عراقي في المنفى 

Le destin ressemble à ces nuits entières

oubliées dans l’encrier... Salah Al Hamdani

ــ موقع الشاعر صلاح الحمداني ــ