ما رأيت صلاح الحمداني إلا وتمنيت واحدة من أمنياتي المستحيلة ؛ وهي أن أكون ثريّاً إلى الحد الذي يسمح لي بـإنشاء مسرح ضخم ومدرسة تمثيل ودار نشر وورشة أعمال إنشائية ومدرسة للموسيقى وأخرى للسينما، واعهد بكل ذلك إلى صلاح الحمداني ؛ لا ليشرف على إدارتها، وإنما لينتج هو نفسه في كل فروعها ؛ ممثلاً وناشراً وشاعراً وعاملاً وجــوّاب آفاق ومقلدَ أصواتٍ ولهجات، وذا صوت رخيم بعيد القرار. ولو كان بـإمكاني إنشاء معهد لتعليم الصداقة والصراحة لجعلته أستاذاً فيه. هذا الرجل الودود المهذب لم يجد حرجاً في التصريح لي ذات يوم، بأنه لا يعرف الشعر كما نعرفه، ولا يمارسه كما نمارسه، وليس لديه من عُدّة الشعراء إلاّ هذا الاحتراق والحساسية والهوس المجنون بمُثُل عليا وقيم أخلاقية وأحلام بـإصلاح خراب العالم كله، بهذه المحبّة المفرطة للحياة. قال لي إنه لم يدرس اللغة، ولم يقرأ الشعر القديم، ولا يريد أن يتربع على عرش أدبي، كل ما يريده هو أن يجعل من صراخه الدامي شيئاً ذا قيمة وفعالية. وها هو اليوم ينشر أكثر من عشر مجموعات شعرية بالعربية والفرنسية، وهو بعد في عنفوانه وحماسته.

 

وهو إذ يصرحّ بذلك بلا حرج، يصادر عليك موقف الناقد لإنتاجه، إذ لا بدّ أن تكون متسامحاً معه ما دام قد اعترف أمامك بكل شيء. وهذا وهم أرجو ألاّ يستمر أخي صلاح في الاتكاء عليه. وحين طلب إلىّ أن أقرأ مجموعته الثانية عشرة هذه، وأقدّم لها، سلب مني موقف التسامح، وأتاح لي أن أتعامل معه بصيغة أخرى، قد لا تعجبه، ولكنها ـ وأنا مطمئن ـ ستكون موضع اهتمامه وكان بـإمكاني أن أقدم هذه المجموعة بكلام عام عن الشعر، يمكن أن يكون مناسباً لأية مجموعة لأي شاعر، فأحتفظ بودّ صديقي، ولا أتجاوز الحقيقة. ولكن صلاح لا يريد مني هذا، ولا أنا أريده له. فرأيت أن أحتفظ بصداقته على أساس [ صديقك من صدَقَك لا من صدّقَك ]، سيّما وأنني أعرف أن الرجل يريد أن يشمّ رائحة الدخان الذي تثيره حرائقه المستمرة، ذلك لأنه برغم الإدعاء بأنه يكتب لنفسه، وبما لديه من عدّة متواضعة، يشعرك من أول كلمة بأنه لا يكتب لنفسه، وإنما يكتب للآخرين وعنهم، محمّلاً بهموم الوطن وهموم الناس وهموم الأرض كلها.

 

وهذا وحده كافٍ لأن يجعله يعيد النظر في ما لديه من رصيد معرفي في الشعر وآفاقه ومذاهبه، واللغة وفنونها، فينميه ويغنيه بالتجارب الفنية، ويطوره إلى المستوى الذي يناسب طموحه، حتى ولو كان هذا الطموح في حدود البهجة الذاتية، ذلك أن الدخول في أية لعبة يشترط العلم بقواعدها، وهذا العلم هو الذي يتيح لنا فيما بعد أن نقبل بهذه القواعد أو نرفضها أو نكيّفها.

 

[أقصى النهارات] امتداد طبيعي لما سبقها من مجموعات، حتى نكاد نفترض أنها و [في القفار الماء] المجموعة التي سبقتها، جزءان من كتاب واحد. حيث يبقى مركز الموضوع الوطن والغربة والإدانة والصراخ والمواجهة العنيفة للزيف والزائفين. وهي كسابقاتها، حضور في المأساة، وتسجيل لوجع يأكل القلب، ويذهب بالشاعر إلى تأسيس لغة صارت من ملامحه الواضحة، مسكونة بالكوابيس والصور المرعبة في كثير من الأحيان:

رؤوس تعبّأ في أكياس

ورؤوس تعدو صوب الأشجار. [النهار العاشر]

 

وبالإدانة:

لا تقل

إني أجهل هموم القافلة

وتغرب بوجهك

عن خارطة الدم. [الرجل الثالث]

 

وبضرورة الصراخ:

من لاذ بالصمت

هجرته الحكمة. [مسودات عن الحرب]

 

والمواجهة:

لي مخرز طويل

أغزل به فسحة الممنوع

وأتوضأ بالعصيان. [نهار العصيان]

 

وفي [رواق الطابق الرابع] تتضح استفادة صلاح من خبرته السينمائية، فيبني هذه القصيدة على صيغة السيناريو، وحركة الكاميرا. وهو أسلوب جدير بالعناية والتطوير.

 

ولهاجس الطفولة مساحة واسعة في هذه المجموعة، تتمثل في قصائده إلى أبيه وأمه وابنه، وفي ما يستذكر من طفولته الموجعة المحفوفة بالتناقضات:

 

في العين

دموع وأتربة

وفي أقصى طفولتي

مرآة تعبر النهار

وصحراء تطل من داخلي. [النهارات المفقودة]

في الإهداء يقول:

إلى أربعة عشر شخصاً

أولهم توفى

ثانيهم يحتضر

ورابعهم غائب.

 

ربما يُتساءل أين الثالث ؟ وأين ما بين الأول والحادي عشر ؟ المسألة ليست مسألة أرقام، كلهم حضور في ذاكرته المحترقة، حضور في كيانه الذي يجعل من الأصدقاء نافذة على الوطن الهارب، يتشبث بهم، ويشم في أعطافهم رائحة الأرض والذكريات والطموح والإحباط. لقد هرب وطن الذاكرة، ولم يبق منه إلا هذه الملامح على وجوه الأصدقاء، حيث يؤسس منها صلاح وطنه الذي ابتعد عنه مرتين؛ مرة في غربة الجسد ومرة في غربة الروح. وفي قصائد [رجـال] يتألف وطن أخر، يلوذ به الشاعر من لعنة الضياع والتمزق، ويتأطر بأمل هو بالتالي أمل كل المغتربين والمنفيين:

 

في نهار ما

سأهبُ عليكم مثل زخة مطر

لا تبخلوا بفتح النافذة

فأنا أسراب من القبرات

تحط على سطح الدار

وفي عز الضحى

سأقص عليكم مآسي المنفى

ومن ثم،

آكل أجنحتي

لكي لا أطير. [النهار الأول]

 

بهذا الأمل الجميل واللوعة المهموسة يبدأ صلاح [أقصى النهارات]، وكأنه يومئ لقارئه من أول اللقاء بأن رفضه وصراخه وإدانته ومحبته كلها هي من أجل أن [يأكل أجنحته لكي لا يطير] ثانية. وجع وندم خفي لاذع يخلع القلب.

 

محمد سعيد الصكَار

باريس في 25/1/1995

تنويه:

هذه الكتاب نشر قبل سقوط الدكتاتورية في العراق !

يأكل أجنحته لكي لا يطير

أقصى النهارات / دار المدى الدمشقية 1996

مقدمة بقلم محمد سعيد الصكَار

باريس في 25/1/1995

 

الشاعر والخطاط الفقيد محمد سعيد الصكار

Le destin ressemble à ces nuits entières

oubliées dans l’encrier... Salah Al Hamdani

ــ موقع الشاعر صلاح الحمداني ــ